مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… ذكـرى سـقوط سنجـة.. رقيص الكائنات الغربية على ضفاف النيل الأزرق!!

*فى مثل هذا اليوم من عام ٢٠٢٤ كان التاريخ يتهيأ لتدوين واحدة من أحلك صفحاته فى دفتر ولاية سنار وتحديدا عاصمتها سنجة الوادعة التى غفت لقرون على وسادة النيل الأزرق مطمئنة استيقظت على وقع غدرٍ لم يكن فى الحسبان تسللت إليها ميليشيا الدعم السريع لتُحيل الطمأنينة السنارية إلى كابوسٍ ممتد مع ممارسة الذل والإهانة ضد المدنيين العزل أقسى أنواع البطش والتنكيل والفظائع التي تأنف البشرية السوية عن استيعابها أو تصديقها في ذلك التوقيت تحديداً انسلخت المدينة عن مظهرها المدنى وتحولت إلى ما يشبه حظيرة كبرى انقضت عليها كائنات غريبة كائنات لا تفهم لغة الأرض ولا ثقافة أهلها تبتهج برائحة الدم وتهوى زهق الأرواح البريئة دون وازع أو دين أو ضمير لم يكن أمام المواطن السنجاوى الذي يحمل بين جنبيه ذرة من إنسانية إلا أن يفر بكرامته وعرضه تاركاً خلفه الديار والذكريات لتبدأ رحلة نزوح مريرة ومؤلمة بحثاً عن طوق نجاة في فيافى السودان الواسعة*.

 

*لقد عشنا تلك الساعات العصيبة تفصيلاً وكنا شهوداً على واحدة من أكثر المشاهد سريالية واستفزازاً للمشاعر الإنسانية داخل مقر الفرقة السابعة عشر مشاة بسنجة رقص قادة الميليشيا البيشي وكيكل رقصة تشفى ونصر زائف فرحين بفرحٍ طفولى هستيرى كأنهم ملكوا الأرض ومن عليها أو كأنهم بلغوا الجبال طولاً غير مدركين أن التاريخ لا يرحم القتلة وأن نشوة القوة العابرة لا تصنع شرعية للمجرم وفي تلك اللحظات القاسية تحولت سنجة الجميلة إلى سجنٍ بلا أسوار مادية بل أسوار من الخوف والترقب والانتهاكات فر منه كل ذي همة ونشاط وكل من رفض العيش تحت رحمة البنادق المأجورة وبصفتي الرسمية في ذلك اليوم العصيب حيث كنت أتحمل أمانة الكلمة والموقف الناطق الرسمي باسم حكومة ولاية سنار كنت أرى بعينى حجم المأساة وعمق الصدمة التى أصابت مجتمعاً كان يظن أن قيم الفزعة والشهامة السودانية قد تحمي الحرمات قبل أن تُستباح على يد هؤلاء الأغراب الأوباش*.

 

*ورغم مرارة السقوط ورغم غبار الانكسار الذي لف المدينة في ساعاتها الأولى إلا أن سنجة لم تستسلم كلياً بل أذاقت هذه الميليشيا صنوفاً من الذل والهوان وأثبتت أن الأرض تقاتل مع أصحابها لم تمضِ الأيام حتى تجرعت الميليشيا علقم الهزيمة فى معارك لاحقة فى كبرى العرب وكبرى مايرنو وجبل موية وقُتل قائدهم البيشي ومعه المئات من أم كعوكات وأعوانهم ليهرب من تبقى منهم مولين الدبر يجرون أذيال الخيبة والمهانة تلاحقهم لعنات الأرض والسماء إن ما جرى فى سنجة وتحديداً بعض العمليات العسكرية والأمنية المضادة التي دارت خلف الكواليس لإدارة تلك الأزمة، يظل بئراً من الأسرار العميقة التي لم يحن وقت الكشف عنها بعد هناك تضحيات جُسار وخيوط حيكت في الظلام لحماية ما يمكن حمايته سنحتفظ بها الذاكرة الوطنية حتى يأتى أوان تدوينها بمداد من فخر لتَعلم الأجيال كيف دافع الشرفاء عن ولايتهم وسط أمواج الخيانة المتلاطمة*.

 

*اليوم وبعد مرور عامين على تلك الذكرى الأليمة نقف لنستلهم من جراح سنجة دروس الصمود والثبات إن المدن العريقة كسنجة قد تمرض وقد تُحتل ولكنها لا تموت لأن دماء شهدائها ومعاناة نازحيها ستبقى هى الوقود الذي يغذى معركة الكرامة حتى تطهير آخر شبر من دنس الميليشيا المتمردة*.

 

 

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى