مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب…المسؤول أبـو لسلوس.. عندما تصنع العزلة قيادة مــــهـزوزة!!

*تزخر العامية السودانية بعبارات ومصطلحات شديدة الذكاء والعمق تُستخدم لتشخيص أدق التفاصيل النفسية والسلوكية للأفراد ومن بين هذه المصطلحات يبرز اسم (أبو لسلوس) ذلك القط البري المتردد الذي يختبئ في المناطق الرمادية ويعيش

في عزلة تامة عن محيطه لعل الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود هذا الكائن في بيئته الطبيعية بل في تمدد سلوكه ليصبح ظاهرة إدارية تعاني منها بعض مؤسساتنا حين يعتلي منصة المسؤولية شخص يحمل ذات الجينات السلوكية لهذا الكائن إن السمة الأبرز للمسؤول أبو لسلوس هي ميله الفطري نحو العزلة والهروب من الواقع فهو يرى في مكتبه الفخم برجاً عاجياً يحميه من مواجهة التحديات اليومية

والقرارات المصيرية هذه العزلة ليست خياراً استراتيجياً للتفكير بل هي انعكاس مباشر لأزمة نفسية أعمق تتمثل في مركب النقص حيث يشعر هذا المسؤول في قرارة نفسه بضعف قدراته وتواضع إمكانياته مما يدفعه إلى الاختباء خلف الجدران المغلقة بدلاً من النزول إلى الميدان*.

*وفي محاولة بائسة لتعويض هذا النقص الداخلي يلجأ أبو لسلوس إلى الاحتماء بثوب السلطة وافتعال الهيبة الرسمية يصبح الكرسي والمنصب بالنسبة إليه ليست وسيلة لخدمة الصالح العام بل درعاً نفسياً يكمل به شخصيته المهزوزة يحيط نفسه بمظاهر القوة الزائفة والبروتوكولات المعقدة ظناً منه أن هذا الاستعراض الخارجي يمكن أن يغطي على الهشاشة الداخلية التي تعتريه أو يمنحه الشرعية التي يفتقدها

في قرارة نفسه وتنعكس هذه الهشاشة بشكل كاريثي على عملية اتخاذ القرار في المؤسسة فالمسؤول أبو لسلوس عاجز تماماً عن اتخاذ قرار منفرد حتى وإن كان الأمر بسيطاً ولا يحتمل التأخير هذا التردد المزمن يجعله يقف دائماً في المناطق الرمادية فلا هو يملك شجاعة الرفض ولا جسارة القبول إن الخوف من تحمل المسؤولية وتبعات الفشل يشل حركته مما

يدخل المؤسسة التي يقودها في حالة من الركود والضبابية القاتلة يمكن القول هذا الفراغ القيادي والتردد القاتل يفتح الباب على مصراعيه لظهور للسلعلع والهتيفة والأرزقية وأصحاب المصالح وتجد هذه الفئات الانتهازية في ضعف المسؤول أرضاً خصبة للمصالح الشخصية فتبدأ بالتدخل السافر في توجيه قراراته وتشكيل قناعاته وبدلاً من أن يستعين

بالمستشارين والخبراء يجد المسؤول أبو لسلوس راحته وسط جوقة من المصفقين الذين يزينون له سوء عمله ويتحكمون في مفاصل قراره دون أدنى مراعاة لمصلحة العمل*.

*والأدهى من ذلك أن هذا النمط من المسؤولين يفتقر تماماً لشجاعة المواجهة المباشرة فإذا واجهت المؤسسة أزمة أو انتقاداً لا تجد أبو لسلوس في مقدمة الصفوف مدافعاً أو موضحاً بل يلوذ بالفرار والتواري عن الأنظار إنه يخشى الصدام المباشر مع

الموظفين أو الرأي العام، لأن المواجهة تتطلب حجة قوية وثقة بالنفس وهما صفتان لا يمتلكهما في ترسانته الشخصية وبدلاً من المواجهة الشفافة يعتمد المسؤول أبو لسلوس على سياسة تحريك الأذرع والخيوط من خلف الستار للوصول إلى غاياته فهو يفضل إدارة المعارك بالوكالة مستخدماً أدواته وأتباعه

لتصفية الحسابات أو لتمرير الأجندات المشبوهة دون أن تظهر أصابعه في الصورة هذه الاستراتيجية الملتوية تضمن له البقاء في مأمن من المحاسبة وتتيح له التضحية بأذرعه عند أول بادرة فشل إن استمرار نموذج أبو لسلوس في القيادة يترتب عليه دفع ثمن باهظ من كفاءة ومستقبل المؤسسات فالقرارات التي تُصنع في الغرف المظلمة بأيدي الأرزقية والهتيفة تفقد عقلانيتها ونزاهتها وتتحول

إلى أدوات لخدمة فئة قليلة على حساب الأغلبية كما أن غياب الرؤية الواضحة والوقوف المستمر في المنطقة الرمادية يقتل روح الإبداع والمبادرة لدى الكفاءات الحقيقية داخل المؤسسة*.

نــــــــــــص شــــــــــــوكة

*إن تجفيف منابع ظاهرة أبو لسلوس في مؤسساتنا يتطلب ثورة في معايير اختيار القيادات بحيث يصبح الحسم والشجاعة والشفافية هي الشروط الأساسية لتولي المنصب يحتاج الصالح العام إلى مسؤولين يملكون الجرأة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولياته في العلن، لا إلى قطط برية تختبئ خلف الكراسي وتترك مصائر الناس والعمل لقمة سائغة في أيدي الانتهازيين والمنتفعين*.

ربــــــــــع شـــــــوكة

*كم أبو لسلوس قفز إلى ذهنك بعد قراءة هذا المقال؟*.

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى