ياسر محمد محمود البشر يكتب….أنقـرة تخلـط أوراق أديس ابابا!!
*شهدت الساحة السياسية في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل تحولاً دراماتيكياً مفاجئاً بعد دخول الجمهورية التركية على خط الأزمة السودانية الإثيوبية بشكل حاسم وجاء هذا التدخل عبر حزمة من الرسائل السياسية والاقتصادية شديدة اللهجة وجهتها أنقرة مباشرة إلى بريد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محذرة إياه من مغبة الاستمرار في التدخل في الشأن الداخلي السوداني ومؤكدة أن اللعب بورقة التوازنات الأمنية في المنطقة لم يعد مقبولاً*
*تدرك أديس أبابا جيداً أن الرسالة الأولى والأنكأ وجعاً كانت ذات طابع اقتصادي خالص حيث لوحت تركيا بشكل صريح بسحب استثماراتها الضخمة من الأسواق الإثيوبية وتكمن خطورة هذا التهديد في لغة الأرقام إذ تعادل الاستثمارات التركية ما يقارب ٦٠% من إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إثيوبيا هذا الثقل المالي يمنح أنقرة قدرة هائلة على خنق الاقتصاد الإثيوبي الناشئ والمثقل بالأزمات الدخلية وإدخاله في نفق مظلم من الركود والانهيار إذا ما قررت الشركات التركية حزم حقائبها والمغادرة*.
*ولم تقف الرسائل التركية عند حدود المال والاقتصاد بل امتدت لتشمل الخطوط الحمراء العسكرية والأمنية في المنطقة وتحديداً ما يدور في جبهة الكرمك فقد رصدت التقارير الاستخباراتية دعماً إثيوبياً متزايداً لمليشيا الدعم السريع في تلك المنطقة الحيوية وهو ما اعتبرته أنقرة تصعيداً خطيراً ينقل الصراع إلى مستوى جديد ونبهت تركيا الجانب الإثيوبي إلى أن هذا السلوك لا يهدد أمن الخرطوم فحسب بل يمثل شرارة لإشعال حريق إقليمي أوسع لا تحمد عقباه*.
*وقد صاغت تركيا تحذيراً استراتيجياً بالغ الأهمية مفاده أن الدعم الإثيوبي لمليشيا الدعم السريع بمنطقة الكرمك والنيل الأزرق يعد بمثابة إعلان حرب مباشرة ضد جمهورية مصر العربية حتى وإن لم تكن القاهرة طرفاً مباشراً في الاشتباك الميداني الحالي هذا التوصيف الذكي يقرأ بوضوح الأمن القومى المصرى ويربط بين تحركات المليشيا والأهداف التوسعية لإثيوبيا في ملف المياه الذى يستهدف مصر لأن جمهورية السودان لا تتأثر بحرب المياه فهى دولة ممر فهى ليست منبع أو مصب*.
*وتتضاعف المخاوف المصرية بالنظر إلى الجغرافيا السياسية للمنطقة فالمتضرر الأكبر في حال تمدد مليشيا الدعم السريع في إقليم النيل الأزرق سيكون الأمن المائى المصرى وإن أي محاولة من هذه المليشيا للاستيلاء على خزان الروصيرص الاستراتيجى ستضع مصير التدفقات المائية في يد قوة غير نظامية وهو ما تراه القاهرة خطاً أحمر وتهديداً وجودياً لـ ١٠٠ مليون مصرى مما قد يدفع الجيش المصرى للتدخل العسكرى المباشر لحماية شريان الحياة*.
*من جانب آخر لم تغفل الرسائل التركية وضع إثيوبيا أمام مرآة الواقع العربى والإقليمى حيث أوضحت بحسم أن أديس أبابا ستجد نفسها فى مواجهة دبلوماسية وسياسية مباشرة مع المملكة العربية السعودية فالرياض لم تعد تراقب المشهد بصمت بل أعلنت عن موقفها الاستراتيجى الواضح والمبدئى بالوقوف كتفاً بكتف مع القوات المسلحة السودانية فى حربها الوجودية لإنهاء تمرد مليشيا الدعم السريع والحفاظ على وحدة الدولة السودانية*.
*إن دخول ثقل إقليمى بحجم المملكة العربية السعودية فى كفة دعم الشرعية السودانية يعنى فرض عزلة خانقة على أى طرف إقليمى يحاول مساندة التمرد وإثيوبيا التى تعانى عجزاً في ميزانيتها وتبحث عن قروض ومساعدات لن تقوى على تحمل التبعات السياسية والاقتصادية لإغضاب الرياض التي تقود قاطرة الدبلوماسية والاستقرار في منطقة البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الإقليمى*.
*يمكن القول إن المعادلة في القرن الأفريقي بدأت تتغير لصالح تحجيم الطموحات الإثيوبية وتطويق التدخلات الخارجية في السودان فالرسائل التركية الصارمة المدعومة بالتهديد الاقتصادي الفتاك وبتشبيك المصالح مع القوى الكبرى كـمصر والسعودية وضعت آبي أحمد أمام خيارين أحلاهما مر إما التراجع خطوتين للوراء ورفع اليد عن الملف السودانى أو مواجهة طوفان من العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية والمواجهات العسكرية غير المحسوبة*.
yassir.Mohammed@gmail.com



