(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب….. حين يغدو التكليف الشعبي صلاةً في محراب العطاء!!
عندما يضع المجتمع ثقته في كاهل ثلة من أبنائه، محملين بتكليف شعبي نابع من رحم الحاجة ووجع الانتظار، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد “عمل تطوعي” عابر، بل نحن بصدد “أمانة مقدسة” تلامس تخوم العبادة في سموّها. إن العمل من أجل مجتمع متكامل، يئن تحت وطأة النقص وينشد كمال الخدمة، هو معراجٌ نحو ذرى الإنسانية، حيث تذوب الفوارق وتتحد القلوب على قلب رجل واحد. لكن، وآهٍ من “لكن” حين تنبت في حقول هذا النور أشواك الحسد الضارة، وتنبري معاول الخبث لتهدم ما بنته سواعد المخلصين.
إن المحزن في هذا المشهد ليس ثقل المهمة ولا وعورة الطريق، بل تلك “المعاكسة” التي لا تأتي من فراغ إداري، وإنما من نفوسٍ ضاقت بالجمال، فراحت تنسج من البيروقراطية الشعبية الملتوية شباكاً لتعطيل المسيرة، متناسيةً أن تعطيل سقاية الظمآن أو إضاءة دروب الحائرين هو ذنبٌ لا يغفره التاريخ، وتجاوزٌ في حق تلك القدسية التي صبغها المجتمع على هذا التكليف.
إن هذا الهم الخدمي الذي يسكن جوارحنا، لا ينبغي أن ينهزم أمام “تكتيكات الإحباط” أو مناورات الذين استمرأوا الوقوف في مناطق الظل.
فالحق الذي ينشده الناس في مجتمعهم هو “نور” لا يمكن لضباب الخبث أن يحجبه مهما تلبّدت غيوم المعاكسة. إننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى روحٍ قتالية مغلفة بأدب رصين، ووعيٍ نخبوي يدرك أن الصدارة في خدمة الناس ليست “وجاهة” تُطلب، بل “ضريبة” تُدفع من الصبر والثبات.
يجب أن تظل بوصلتنا مشدودة نحو ذلك الإنسان البسيط، الذي لا تهمه تفاصيل الخلافات بقدر ما يهمه أثر الخدمة في حياته. فكلما ازدادت رياح الحسد عتوّاً، وجب علينا أن نزداد تمسكاً بجمر العطاء، محولين تلك العراقيل إلى جسور نعبر فوقها نحو ريادة حقيقية، لا تسرق جهود الآخرين، بل تتكامل معها لتصنع وطناً معافى من أمراض القلوب. سيبقى هذا الهمّ الخدمي هو صلاتنا اليومية، وسنظل نكتب بنبض الدهشة والتحفيز، ليبقى العمل الشعبي منزهاً عن صغائر النفوس، ومحاطاً بهالة من القدسية التي تجعل من كل جهدٍ يُبذل في سبيل الآخرين، شمساً لا تعرف الغروب في سماء مجتمعاتنا الصابرة.



