(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… من يضيء مركز غسيل الكلى؟

ليست كل الظلمات تأتي من الليل. هناك ظلمة تأتي في وضح النهار، حين تنطفئ الكهرباء فجأة في مركز الكلى بمستشفى جبل أولياء، فيسكت جهاز، ويتوقف قلب، وتتجمد قطرة دم كانت في طريقها لتعود نقية إلى جسد أنهكه المرض.
في جبل أولياء، جنوب الخرطوم، حيث يعيش البسطاء الذين لا يملكون ثمن السفر إلى الخرطوم كل يومين، يوجد مركز يمثل آخر أمل لهم. مركز الكلى. عشرات الأسرّة، عشرات الأجهزة، ومئات المرضى الذين يأتون من القرى البعيدة، من الجزيره من النيل الأبيض ، من الشقيلاب ، من أعماق الجبل، يقطعون المسافات في الهجير، يحملون معهم مصحفاً صغيراً وزجاجة ماء، وانتظاراً واحداً: أن يعمل الجهاز أربع ساعات ليغسل دماءهم ويعيدهم إلى الحياة لأيام قليلة، ثم يعودون.
لكن هذه الحياة نفسها أصبحت رهينة لسلك كهربائي مهترئ، ولمفتاح سيركل محترق، ولمبة سقف لا تضيء، ولوحة توزيع لا تحتمل ضغط الأجهزة، وشبكة عامة تقطع التيار لساعات طوال.
تخيل معي المشهد: مريض في منتصف جلسة الغسيل، دمه خارج جسده في أنابيب الجهاز، والكهرباء تنقطع. يتوقف الجهاز. يصرخ الفني، تهرع الممرضة، يحاول الطبيب إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي كل ثانية تمر، خطر جلطة، خطر نزيف، خطر موت. ثم تعود الكهرباء بتيار غير مستقر فيحرق مفتاحاً، فيتعطل جهازان آخران. وتتأجل جلسات اليوم التالي، فيعود مريض إلى بيته بدمه المسمم، ينتظر الموت البطيء.
هل هذا مشهد يستحق أن نسكت عنه؟
إن أزمة مركز الكلى بجبل أولياء ليست أزمة طبية، فالكوادر الطبية هناك تعمل بما يفوق طاقتها. إنها أزمة بنية تحتية، أزمة كهرباء، أزمة صامتة تقتل ببطء.
والحل الذي لم نعد نملك رفاهية تأجيله هو واحد: الطاقة الشمسية.
لماذا الطاقة الشمسية هي الحل الجذري وليست مجرد بديل؟
أولاً: لأنها حياة لا تنقطع. جهاز غسيل الكلى لا يفهم معنى قطوعات الكهرباء المبرمجة ولا أعذار الشبكة العامة. هو يحتاج إلى تيار ثابت ومنظم 24 ساعة. منظومة الطاقة الشمسية مع بطاريات تخزين ليثيوم وانفرترات حديثة قادرة على توفير تيار مستقر تماماً، بدون تذبذب يحرق الأجهزة، وبدون انقطاع يوقف الجلسة. الشمس في جبل أولياء تسطع أكثر من 300 يوم في السنة، لماذا نتركها وننتظر التيار من الشبكة؟
ثانياً: لأنها توفر المال لتعالج به المرضى. المركز يستهلك كهرباء ضخمة، فاتورته الشهرية تستهلك ميزانية يمكن أن تشتري بها أدوية ومستهلكات غسيل. تركيب محطة شمسية بقدرة 30 إلى 50 كيلوواط فوق سطح المركز سيجعل المركز يكتفي ذاتياً في النهار، وهي فترة ذروة الغسيل، ويوفر أكثر من 70% من تكلفة الكهرباء.
ثالثاً: لأنها صيانة صفرية مقارنة بمعاناة المولدات. المولدات الحالية تستهلك جازولين غالٍ، وصيانتها مستمرة، وصوتها يزعج المريض، ودخانها يلوث بيئة معقمة يفترض أن تكون نظيفة. الطاقة الشمسية صامتة، نظيفة، لا تحتاج إلا تنظيف الألواح.
إننا اليوم أمام فرصة تاريخية. تكلفة محطة طاقة شمسية لمركز الكلى ليست مشروعاً مستحيلاً، بل هي أقل من تكلفة سفر المرضى المتكرر للخرطوم بسبب تعطل الأجهزة. وهي صدقة جارية بكل ما تعنيه الكلمة، كل شعاع شمس يتحول إلى تيار يغسل دم مريض، سيكتب أجره كل يوم، كل ساعة، لسنوات طويلة قادمة تصل إلى 25 عاماً عمر الألواح.
يا وزارة الصحة ولاية الخرطوم، يا إدارة الكهرباء، يا محلية جبل أولياء، يا منظمات العمل الطوعي، يا أهل الخير والمغتربين: لا نريد ترقيع الشبكة القديمة بسلك جديد ومفتاح جديد سينقطع غداً مرة أخرى. نريد حلاً جذرياً.
نريد أن نحول سقف مركز الكلى إلى محطة شمسية تضيء المركز.
يا أهل الاختصاص، إن نقطة الضوء التي نبحث عنها ليست في سقف المركز فقط، بل في ضميرنا، والشمس فوقنا كل يوم تمنحنا الحل مجاناً، فهل نستقبله؟
أضيئوا المركز بالشمس.. يضيء الله لكم الدنيا والآخرة.



