مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الخضار والفواكه من مصر إلى وادي حلفا… حتى متى… وادي حلفا التي ضحّت بأرضها ونخيلها وتاريخها من أجل السد العالي أليس من حقها أن تنال نصيبها من التنمية؟!! 

في عام 1964، غابت أجمل مدن الشمال السوداني تحت مياه بحيرة النوبة، بكل ما تحمله من مبانٍ وآثار وحقول ونخيل وذكريات.

كانت تلك تضحية كبرى قدمها أهل وادي حلفا من أجل قيام السد العالي، لتظل آثارها حاضرة في حياة أجيال لم تعرف من تلك التضحية سوى الحرمان والوعود المؤجلة.

 

ومنذ ذلك التاريخ، لم ينصف أحد أبناء وادي حلفا بما يتناسب مع حجم ما قدموه؛ لا السودان أنصفهم كما ينبغي، ولا مصر أوفت لهم بما يبدد إحساسهم بالغبن والتهميش.

 

تأملوا هذه المفارقة العجيبة: مدينة غمرتها المياه، ويشكو أهلها العطش!

 

كهرباء السد العالي التي أضاءت مساحات شاسعة من مصر، ما زالت قضية الكهرباء في وادي حلفا تتأرجح بين المطالب والانتظار.

 

ومشروع الأسماك الذي شيده الصينيون، كان يمكن أن يشكل رافداً اقتصادياً مهماً للمنطقة، لكنه ضاع بدلاً من أن يتحول إلى مشروع إنتاجي يوفر الغذاء وفرص العمل.

 

أما السكة الحديد، فقد توقفت، وأصبح إكسبريس وادي حلفا، الذي كان يوماً شرياناً يربط المدينة بعمقها السوداني، أثراً بعد عين.

 

والأكثر إيلاماً أن وادي حلفا، حتى اليوم، لم تتمكن من إقامة مشروع زراعي متكامل يوفر احتياجاتها من الخضروات والفواكه، لتجد نفسها تستورد هذه المنتجات من مصر، رغم ما تملكه المنطقة من أراضٍ وإمكانات يمكن أن تجعلها سلة غذاء حقيقية لشمال السودان.

 

وهنا يبرز السؤال: أين العلة؟ وأين ذهبت فرص التنمية؟

 

لدينا معبرا أشكيت وأرقين، وهما من المنافذ الحيوية لحركة التجارة والمسافرين، وتتحصل الدولة من نشاطهما إيرادات كبيرة. فلماذا لا يُخصص جزء معلوم من هذه العائدات لتنمية المنطقة التي تحتضنهما؟

 

لماذا لا تتحول هذه المعابر من مجرد منافذ لتحصيل الإيرادات إلى بوابات للتنمية، يستفيد منها المواطن الذي يعيش على أرضها؟

 

إن المطلوب ليس منحة عابرة، ولا مشروعاً موسمياً تنتهي أخباره بانتهاء الزيارة الرسمية، وإنما ميزانية تنمية مستقلة لوادي حلفا، بموارد محددة ومشروعات معلنة وجدول زمني للتنفيذ ومؤشرات لقياس النتائج.

 

ميزانية تعيد الحياة إلى الزراعة، وتوفر المياه والكهرباء، وتعيد تأهيل البنية التحتية، وتبعث مشروع الأسماك، وتفتح الطريق أمام عودة السكة الحديد، وتستثمر في السياحة والآثار والموقع الاستراتيجي للمدينة.

 

ولماذا لا تبدأ هذه النهضة بمشروع زراعي مدروس يوفر الخضروات والفواكه لأهل وادي حلفا، ثم يتوسع لتغطية أسواق الولاية الشمالية، بدلاً من الاعتماد على الواردات؟

 

إن وادي حلفا ليست مجرد مدينة حدودية، بل واجهة السودان الشمالية، وبوابة تربطه بمصر، ومنطقة تختزن تاريخاً وحضارة وموارد وفرصاً اقتصادية تستحق أن تجد طريقها إلى الاستثمار والإنتاج.

 

أهلي في وادي حلفا يستحقون الكثير، لا من باب الشفقة، بل من باب الحق والإنصاف.

 

لقد قدموا أرضهم ونخيلهم وديارهم، وصبروا على مرارة التهجير وفقدان الوطن الصغير، ولم يطلبوا المستحيل؛ إنما يطلبون حياة كريمة وتنمية تليق بتضحياتهم.

 

فإلى متى تظل الخضروات والفواكه تأتي من مصر إلى وادي حلفا، بينما تنتظر الأرض السودانية من يزرعها، وينتظر أهلها من ينصفهم؟

 

إنصاف وادي حلفا ليس منّة من أحد، بل واجب دولة وحق مواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى