(سيرة ومسيرة) حنان القاضي تكتب… أبي.. مولانا مصطفى عبد القادر.. قاضي الرحمة!!

أن تكتب عن أبيك، فأنت لا تكتب عموداً صحفياً، أنت تكتب تاريخاً.
مولانا *مصطفى عبد القادر*، ليس مجرد قاضٍ ترجل عن المنصة بعد مسيرة عامرة، بل هو رجل جاب ربوع السودان شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، حاملاً ميزان العدالة على كتفه، لا يميل ولا يحيد.
خدم في السلك القضائي وحين كان مولانا يهز المنصة بصوته، ويرجح كفة الحق بكلمة. تنقل بين محاكم السودان المختلفة، لم تمنعه المسافات، ولم تثنه وعورة الطريق، لأن من يحمل أمانة العدالة لا يعرف الراحة.
وإذا كان التميز عنوانه، فإن *العمل الجنائي* كان ميدانه الذي لا يُبارى فيه.
عُرف مولانا مصطفى وسط القضاة والمحامين والمتقاضين بدقته المتناهية في القضايا الجنائية، وفهمه العميق لروح القانون، وقدرته على الموازنة بين النص وروح العدالة. لم يكن قاضياً يحكم بالنص الجامد، بل كان قاضياً يحكم بالضمير الحي.
ولذلك اقترن اسمه بـ *”دائرة الرحمة”* التي كان يترأسها، تلك الدائرة التي كانت ملاذاً للمظلومين، وعنواناً للعدل الرحيم.
دائرة الرحمة لم تكن مجرد اسم، كانت فلسفة قضائية كاملة، أسسها مولانا مصطفى على مبدأ أن القضاء ليس للتشفي والانتقام، بل للإصلاح والتقويم. كم من قضايا جنائية معقدة وجدت طريقها للحل العادل تحت رئاسته، وكم من أحكام أصدرها فكانت درساً في الإنسانية قبل أن تكون نصاً قانونياً.
ورفد خلال سنوات خدمته المكتبة القضائية السودانية بعدد من السوابق القضائية، خاصة في المجال الجنائي، لا تزال يُستشهد بها حتى اليوم في أروقة المحاكم، سوابق كُتبت بمداد العدل والرحمة، وحفرت اسمه بأحرف من نور.
تقاعد مولانا عن المنصة، لكن دائرة الرحمة التي أسسها لا تزال باقية في ضمير كل قاضٍ تعلم منه، وفي ذاكرة كل مظلوم أنصفه.
أبي..
علمتنا أن القاضي ليس روباً أسود، بل قلب رحيم، وعلمتنا أن أقسى الأحكام يمكن أن تُكتب بأرق الكلمات إذا كان القاضي أباً قبل أن يكون قاضياً.
سلام عليك يا قاضي الرحمة.



