(وجه الحقيقة) د. إبراهيم شقلاوي يكتب… سكينة وزينب وتقى.. حين يتغير معنى النجاح!!
بين البروفيسور سكينة محمد ياجي، والصحفية زينب محمد صالح، والطالبة تقى النور، تتشكل صورة للمرأة السودانية عبر ثلاثة أجيال مختلفة، تتقاطع تجاربها في الطموح والتميز، أيضاً تكشف عن تحولات في علاقة الفرد بالمؤسسة ومعايير النجاح.
يمثل اختيار البروفيسور سكينة محمد ياجي، أستاذة الأحياء النباتية بجامعة الخرطوم، ضمن أفضل 2% من العلماء عالمياً لعام 2026، اعترافاً بمسار بحثي وطني مميز في دراسة الخصائص الكيميائية والحيوية للنباتات السودانية. ولا يكرّم هذا الإنجاز عالمةً راكمت المعرفة وأسهمت في الإنتاج العلمي الدولي فحسب، بل يطرح سؤالاً تنموياً مهمًا ،كيف يحوّل السودان تفوق علمائه إلى مشروعات تنمية مستدامة توظف موارده الطبيعية وتخدم الاقتصاد والصحة والزراعة ؟ فالقيمة الحقيقية للعلم لا تقف عند الاعتراف العالمي، بل تبدأ حين يتحول إلى أثر وطني راسخ.
وفي مسار مختلف، تأتي تجربة الصحفية زينب محمد صالح، الفائزة بجائزة نايت الدولية للصحافة لعام 2026، يونيو الماضي، تقديراً لعملها الميداني وتغطيتها للحرب والأزمة الإنسانية والانتهاكات، لا سيما في دارفور.
دائماً ما يُقاس النجاح بالقدرة على الوصول إلى الوقائع ونقل معاناة الناس في بيئة تتراجع فيها شروط السلامة المهنية وتتقلص الموارد وتتسع مخاطر العمل الصحفي. وقد تجاوزت تجربتها حدود التغطية الإخبارية إلى توثيق ما يواجهه المدنيون، بما يجعل الصحافة، في زمن الحرب، جزءاً من معركة الكرامة والحقيقة وحماية الذاكرة من النسيان والتضليل.
وبين سكينة التي تمثل تراكم المعرفة، وزينب التي تختبر مهنتها تحت ضغط الحرب، تظهر تقى النور محمد، الأولى في الشهادة السودانية لعام 2026 بنسبة 97.7%، وقد اختارت دراسة الطب في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا بدلاً من جامعة الخرطوم. وقد أثار قرارها جدلًا واسعًا يتجاوز حقها الشخصي في الاختيار إلى سؤال مهم : هل ما زالت المكانة التاريخية للجامعات وحدها كافية لتحديد وجهة المتفوقين؟
لسنوات طويلة، ظلت جامعة الخرطوم في الخيال السوداني رمزاً للتفوق الأكاديمي والوجاهة العلمية والاجتماعية، واستندت مكانتها إلى تاريخ عريق في تخريج القيادات والعلماء والمهنيين. غير أن الحرب وما أصاب مؤسسات التعليم العالي من تعطيل واضطراب فرضا واقعاً مختلفاً، بات فيه انتظام الدراسة والبيئة الأكاديمية وتوافر المختبرات والتدريب العملي عوامل لا تقل أهمية عن السمعة التاريخية. وقد واصلت بعض الجامعات الخاصة أنشطتها خارج السودان، بينما واجهت الجامعات الحكومية تأخراً وتعقيدات، لكن ذلك لا يكفي وحده للحكم بتفوق مؤسسة على أخرى، فالجودة تُقاس أيضاً بالاعتماد الأكاديمي وكفاءة التدريس، وموثوقية التدريب.
إن اختيار تقى لا يعني تراجع جامعة الخرطوم، ولا يمثل إدانة لتاريخها، لكنه يكشف عن تحوّل يستحق النظر ،الجيل الجديد قد لا يرث اختيارات الأجيال السابقة كما هي، بل يعيد تقييمها وفق احتياجاته وفرصه وتكلفة الانتظار. هنا ربما تتجلى براغماتية الواقع، إذ تتقدم القدرة على توفير تعليم منتظم وفعّال على افتراض أن الاسم العريق هو الخيار الطبيعي دائماً. فالجامعات لا تفقد مكانتها بتغير الاختيارات، لكنها مطالبة بتجديد أسباب الثقة بها، خصوصاً حين تتبدل الظروف التي صنعت مكانتها.
والجامع بين النساء الثلاث ليس انتماءهن إلى جيل واحد، ولا تشابه ظروفهن، بل أن كل واحدة منهن تكشف جانباً من علاقة المرأة السودانية بفرص الإنجاز وحدود البيئة المحيطة بها. سكينة تذكّرنا بأن التفوق العلمي يحتاج إلى مؤسسات تستثمر فيه، وزينب تكشف قيمة المهنية حين تصبح الحقيقة تحت خط النار ، وتقى تضع أمامنا سؤالاً عن قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبة جيل يقيس الخيارات بنتائجها العملية.
هنا تلتقي القصص الثلاثة في معناها. سكينة تكشف أن المعرفة تحتاج إلى دولة تستثمر فيها، وزينب تكشف أن الحقيقة تحتاج إلى مجتمع يحمي ناقليها، وتقى تكشف أن الثقة بالجامعات لم تعد تُمنح بالوراثة، بل تتجدد بقدرتها على الاستجابة للواقع. إنها ثلاثة حلقات في معادلة واحدة: إنتاج المعرفة، وحماية الوعي، وبناء المستقبل. وإذا تعطلت أي حلقة، بقيت الإنجازات ممكنة بفضل الأفراد، لكنها، أصعب ان تتحول إلى نهضة.
بحسب #وجه_الحقيقة،أن تغيّر معايير النجاح يضع المؤسسات أمام مسؤولية تجديد أسباب الثقة بها. فسكينة تكشف قيمة المعرفة، وزينب مسؤولية حماية الحقيقة، وتقى تحوّل معايير الاختيار، وثلاثتهن يطرحن سؤالاً واحداً ،هل تستطيع مؤسساتنا تحويل طاقات الأفراد إلى قوة وطنية مستدامة؟ فالتاريخ يمنح المكانة، لكن الأداء يصونها، وحين يتغير معنى النجاح، يصبح التجديد شرطاً للمستقبل لا ترفاً للمؤسسات.
دمتم بخير وعافية
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م Sudandial@gmai.com
#سكينة_محمد_ياجي #زينب_محمد_صالح #تقى_النور #المرأة_السودانية #النجاح_والتميز #التعليم_العالي #جامعة_الخرطوم #الإعلام_التنموي #البحث_العلمي #السودان



