مقالات الظهيرة

(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… العلاقات كالمنازل.. بين ترميم وصيانة وهدم.. فاختر بيت قلبك بعناية قبل أن تكتب عليه “للبيع”!

العلاقات بين البشر كالمنازل، تشبيه بليغ يختصر فلسفة الحياة الاجتماعية كلها في عبارة واحدة، فالبيوت ليست سواسية وكذلك القلوب، هناك علاقات متينة كالبنيان المرصوص أساسها من تقوى الله وحب صادق، وهناك علاقات هشة كبيوت العنكبوت وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.

 

هناك علاقات تستحق الترميم البسيط، وهي علاقات الأحبة والأصدقاء الخلّص والزملاء الأوفياء، قد تظهر فيها شروخ صغيرة وتشققات في جدار الثقة بسبب كلمة عابرة أو سوء فهم أو ضغط عمل، هذه لا تستحق الهدم بل تستحق أن نحضر لها إسمنت المحبة وطلاء التسامح ونرممها فوراً، فكلمة اعتذار ورسالة تقدير وابتسامة صادقة كفيلة بأن تعيدها أجمل مما كانت، وهؤلاء هم كنزك الحقيقي فلا تخسرهم لتوافه الأمور.

 

وهناك علاقات تستحق الهدم وإعادة البناء، وهي التي تآكلت أساساتها بفعل الإهمال المزمن وتراكمت فيها الأخطاء حتى أصبحت غير صالحة للسكن، لكن صاحبها غالٍ عليك ولا تريد خسارته، وهنا لا بد من شجاعة الهدم، أن تهدم جدار الكبرياء وتهدم سقف العناد وتعيد البناء من جديد على قاعدة جديدة أساسها الصراحة والمكاشفة، أن تجلس معه وتقول تعال نبدأ من الصفر فقد أخطأنا جميعاً.

 

وهناك علاقات يجبرك الواقع أن تكتب عليها للبيع، وهي العلاقات السامة المرهقة التي تستنزف روحك ووقتك وطاقتك دون مقابل، علاقات قوامها الحقد والحسد والغيرة وقطع الأرحام، علاقات لا تجلب إلا الهم والغم، وهذه الحكمة تقول لك لا ترممها ولا تعيد بناءها بل اعرضها للبيع وتخلص منها بلا ندم، فسلامة قلبك أغلى من كثرة معارفك.

 

ثم تأتي الوصية الذهبية التي هي لب الحكمة كلها، احذروا أن تخيطوا جراحكم قبل تنظيفها من الداخل، ما أبلغها من عبارة، فكم من علاقة خيطناها على عجل وقلنا حصل خير وابتسمنا في وجه بعضنا، ولكن الجرح من الداخل لا يزال ينزف قيحاً من الكلام المسكوت عنه، فبقيت العلاقة مريضة منفوخة توشك أن تنفجر في أي لحظة، والدواء في أربع كلمات هي دستور العلاقات الناجحة، ناقشوا وبرروا واشرحوا واعترفوا، ناقشوا ولا تكتموا فالكتمان مقبرة الحب، وبرروا وأحسنوا الظن والتمسوا لأخيكم سبعين عذراً، واشرحوا وعبروا عن ما يضايقكم بلطف فالوضوح يزيل الضباب، واعترفوا بأخطائكم فالاعتراف ليس ضعفاً بل هو قمة القوة والشجاعة، افعلوا هذا كله قبل أن تُغلق المشكلة فيبقى صوت الآه يعيد لكم شريط الزمن، تلك الآه التي نسمعها في جوف الليل، آه الندم على علاقة ضيعناها بكلمة وآه الحسرة على صديق خسرناه بكبرياء.

 

تذكروا دائماً أن الحياة قصيرة جداً، أقصر من أن نقضيها في حقد وحسد وبغض وقطيعة رحم، غداً سنكون مجرد ذكرى، سيذكر الناس أخلاقنا لا مناصبنا، وسيذكرون كلماتنا الطيبة لا أرصدتنا، فابتسموا وسامحوا من أساء إليكم واغفروا زلات أحبتكم وتمسكوا بهم جيداً وعبروا لهم اليوم عن حبكم قبل أن يأتي غد لا تجدونهم فيه، فالجنة تحتاج قلوباً سليمة، قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ولن يبقى في هذه الدنيا الفانية إلا العمل الصالح والذكرى الطيبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى