(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب.. كش ملك!!

حين يترجل الملك عن عرشه في رقعة الشطرنج، فاعلم أن الرواية قد بلغت فصلها الأخير.
ليس نزوله شجاعة، ولا خروجه مناورة، بل هو ضرورة فرضها العدم. في مستهل اللعبة، كان الملك فكرة لا تلمس، رمزاً محصناً خلف جدار من البيادق الصلبة، تحرسه القلاع الشامخة، وتقفز الخيول من حوله فداءً له، ويرسم الفيلة والوزراء له خطوط النجاة. كان يأمر ولا يقاتل، يشير ولا يتقدم، وكل قطعة على الرقعة مستعدة أن تسقط لأجل بقائه وهماً بالخلود.
ثم تبدأ سنة التدافع التي لا تتبدل، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]. تتساقط البيادق التي كانت دروعاً، وتنكسر الخيول، وتسقط القلاع التي طالما ظن أنها لا تهد. تتسع الرقعة فجأة، ليس اتساع قوة، بل اتساع فراغ. فراغ موحش يكشف المستور، ليتحقق فيه وعد الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81].
هنا فقط، يضطر الملك أن يخطو. ملك بلا مملكة، وحاكم بلا رعية، وقائد بلا جيش. يمشي خطوة واحدة، مترددة، مرتجفة، في كل اتجاه، وكأنه يستأذن المربعات أن تقبله. أي مفارقة هذه؟ بالأمس كان العالم يتحرك بأمره، واليوم هو يتحرك ليبحث عن عالم يأويه. إنها لحظة الحقيقة التي يدرك فيها أن القوة لم تكن يوماً في الرمز، بل في التماسك، وأن الرمز إذا بقي وحيداً صار عبئاً، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” رواه مسلم.
وهذا هو قانون النهايات الذي لا يحابي أحداً. حين تنفد الأدوات، وتنكشف الحيل، ويتخلى الطامعون الذين كانوا يتزينون باسم الملك، لا يبقى إلا الملك نفسه يواجه مصيره عارياً، ليتحقق فيه قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [إبراهيم: 42]. كل خطوة يخطوها في الوسط المكشوف ليست تقدماً، بل هي فصل من فصول الاحتضار التكتيكي. المربعات من حوله لم تعد أرضاً للمناورة، بل صارت فخاخاً.
إن الدرس الذي تمنحنا إياه رقعة الشطرنج أعمق من مجرد لعبة. إنه يخبرنا أن القوة الغاشمة التي تبني مجدها على أكتاف البسطاء، وتتحصن خلف شعارات جوفاء، مصيرها أن تجد نفسها وحيدة في النهاية. فالمليشيا التي ظنت أن بأسها في سلاحها، وأن هيبتها في فوضاها، حين تتساقط أدواتها، ويهرب داعموها، يخرج رأسها أخيراً من مخبئه، لا ليقاتل، بل ليبحث عن مخرج، وقد نسي قول الحق: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227].
وتتوالى الضربات حينها، لا انتقاماً، بل تحصيلاً لنتيجة حتمية. تضيق المساحات، وتتقاطع الخطوط، وتعلو أصوات الحق فوق ضجيج الباطل، حتى لا يبقى للمترجل إلا مربع واحد، لا يملك حتى أن يقف فيه مطمئناً.
ثم تأتي الصيحة التي انتظرتها كل البيوت التي هُدمت، وكل الأرواح التي روعت: “كش ملك”.
ليست مجرد عبارة في لعبة، بل هي إعلان رباني بأن الباطل إلى زوال، قال تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]. هي نقطة الضوء التي تنبثق في قلب العتمة، لتقول إن صبر الشعوب ليس ضعفاً، وأن ثبات المؤسسات ليس غياباً، بل هو إعداد لرقعة جديدة، نظيفة، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته” متفق عليه.
سقط الملك، لأن الرعية التي كان يحتمي بها قد لفظته، وبقيت الرقعة شاهدة. شاهدة على أن الدول لا تبنى بالمليشيات، وأن الأوطان لا يحرسها المرتزقة، وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن الله يمهل ولا يهمل.



