مقالات الظهيرة

محمد أحمد البشرى يكتب… نحو بناء العقد المجتمعي السوداني — دولة السودان الحديثة!!

عندما نتحدث عن مستقبل السودان، ينبغي أن نوجه اهتمامنا للسؤال: أي دولة نريد أن نبني؟ فالسودان ليس فقط أرضًا وحدودًا وسلطة سياسية، بل وطن يضم شعبًا عريقًا متعدد الثقافات والمكونات. يجمعهم التاريخ والمصالح والمصير المشترك. لذلك، يبدأ بناء السودان الجديد ببناء دولة حديثة يشعر فيها كل سوداني بأن هذا الوطن هو وطنه، حيث الحقوق مصانة والكرامة محفوظة والمستقبل مرتبط بمستقبل السودان ككل.

 

نسعى إلى دولة سودانية حديثة تقوم على الشعب السوداني ووحدة الإقليم وسيادة الدولة ودستورية السلطة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية. لن يعيش فيها حزب أو قبيلة أو جهة فوق الوطن، ولن تكون المواطنة فيها درجات متفاوتة، بل يتمتع جميع السودانيين بحقوق وواجبات كاملة.

 

ستتولى المؤسسات الوطنية جمع شمل الجميع، وستكون القوات المسلحة والقوات النظامية مهمتها حماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه بعيدًا عن الأهداف الحزبية أو الجهوية وتحت مظلة الدولة والقانون. الدولة الحديثة ليست مبنية على قوة السلاح أو شرعية القوة، بل على شرعية المؤسسات والقانون والإرادة الشعبية.

 

العقد المجتمعي السوداني يمثل الإطار الذي يمكن أن يجمع السودانيين حول المبادئ الكبرى التي لا خلاف عليها: وطن موحد، مواطنة متساوية، سيادة القانون، عدالة، حريات، مؤسسات وطنية، تداول سلمي للسلطة، احترام التنوع وحماية السيادة.

 

السودان يحتاج إلى توافق وطني واسع يتيح لجميع السودانيين المشاركة في صياغة مستقبلهم. الخلاف السياسي والفكري طبيعي، ولكن يجب ألا يتحول إلى صراع على الوطن نفسه. يمكننا الخلاف في البرامج والسياسات وطرق الإدارة، ولكن نتفق على أن السودان وطن واحد والدولة ملك جميع مواطنيها.

 

مشروع دولة السودان الحديثة يجب أن ينقلنا من سؤال «من يحكم؟» إلى «كيف نحكم؟»؛ من صراع الأشخاص إلى بناء المؤسسات؛ من الولاءات الضيقة إلى الولاء الوطني، ومن الإقصاء إلى المواطنة ومن الفوضى إلى سيادة القانون. بناء الدولة ليس مشروع حكومة واحدة أو حزب أو جماعة واحدة، بل هو مشروع أجيال متعاقبة.

 

دولة السودان الحديثة التي نطمح إليها هي تلك التي يكون فيها السودان فوق الجميع، المواطن أساس الشرعية، القانون مرجعًا، والمؤسسات حامية للوطن. الحوار وسيلة لمعالجة الخلاف والسلام هدف دائم والعدالة أساس الاستقرار.

 

هكذا يتكامل مشروع العقد المجتمعي السوداني مع مشروع بناء الدولة الحديثة؛ فالعقد المجتمعي ليس مجرد وثيقة نظرية، بل هو اتفاق على شكل الدولة التي نريد أن نعيش تحت مظلتها.

 

السودان يمتلك مقومات الدولة القوية: أرض واسعة، ثروات كبيرة، شعب عظيم، تاريخ عريق وموقع استراتيجي. ما نحتاجه اليوم هو تحويل هذا التنوع إلى طاقة لبناء وطن واحد، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، ومن البحث عن المنتصر في الصراع إلى البحث عن السودان المنتصر.

 

السودان الذي نريده هو سودان الجميع، حيث تكون المواطنة أساس العلاقة بين المواطنين والدولة مظلة للجميع والقانون فوق الكل والسيادة مصانة والمؤسسات قوية والاختلاف السياسي لا يهدد وحدة الوطن.

 

وهذه دعوتنا لبناء دولة السودان الحديثة؛ مستندة إلى عقد مجتمعي جديد يكتبه السودانيون بإرادتهم ليصون وحدتهم ويحفظ حقوقهم ويفتح أمام أجيالهم طريقًا إلى السلام والاستقرار والتنمية. السودان وطن واحد، شعب واحد، حقوق متساوية ومستقبل مشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى