مقالات الظهيرة

(إشارات) راشد عبد الرحيم يكتب… السيورة و ريش الببغاء!! 

في صوت واحد مموسق رد الطلاب علي تحية المعلم بقولهم ( و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته )

أشار المعلم لست من الطلاب فخرجوا و عادوا يحملون ثلاث سبورات موضوعة علي حواملها و يضعونها دون أن تبدوا واجهتها .

خطط المعلم السبورة الثابتة في حائط الفصل ثم شرع في الدرس و في نهايته أضحت السبورة زاهية الألوان بخطوطها المتعددة و بالخط الجميل المكتوب به تفاصيل الدرس

. يتجه المعلم إلي السبورات الثلاث و يوجهها نحو الطلاب فإذا بها لوحات جمالية حملت تلخيصا للدرس و عدد من الخرائط و الرسم البياني نتج عن ذلك كله جدار في غاية الروعة و الجمال بألوان زاهية متناسقة .

كان هذا درس في حصة الجغرافيا تلقيناه من أستاذنا عيسي الحلو و هو الأديب و القاص و الكاتب الروائي المشهور و الصحفي البارز .

أول و أشهر مجموعة قصصية قدمته للقارئ السوداني هي ريش الببغاء .

كان رجلا رائعا منظما مرتبا يحب الجمال و لعل في إسم مجموعته هذه ملمح لمحبته للألوان التي تزين ريش الببغاء و تزين سبورته في الفصل .

عندما كتبت عمودي السابق عن اليونسكو و اليونسيف و فيه ذكر لمدرستنا الثانوية العامة و المعلمين تداعت الذكريات مع بعض الزملاء و لم نكن لنتجاوز أستاذنا عيسي الحلو و الذي تتلمذت علي يديه في مدرسة الشيخ مصطفي الأمين الثانوية العامة لنلتقي مرة أخري تجمعنا مهنة الصحافة في صحيفة الرأي العام و هو يشرف علي ملحقها الثقافي و كنت أنا كاتب عمود ( إشارات ) بصفحتها الأخيرة .

لم يكن جديدا علي المهنة و الصفحات الثقافية فقد كان أحد أعمدة الملحق الثقافي الأشهر لجريدة الأيام الذي كان يحرره الأديبين الدكتور يوسف عايدابي و الأستاذ

عبد القدوس الخاتم .

عيسي الحلو كان محبا للمهنتين و في جلسات أنسنا و نحن في دار الصحيفة نستعيد ذكريات المدرسة الثانوية العامة كان ينبهني مازحا ( تذكر نحن كنا زملاء )

إتسم عيسي إضافة لحبه للجمال و الصمت العميق بحذقه في إختيار موضوعات و عناوين مميزة و غير مطروقة لمجموعاته القصصية و رواياته يتضح ذلك بالنظر إلي بعضها و منها . ( البرتقالة )

( حمّى الفوضى والتماسك )

( مداخل العصافير إلى الحدائق ) ( الجنة بأعلى التل ) ( صباح الخير أيها الوجه اللا مرئي الجميل )

( عجوز فوق الأرجوحة )

( الورد وكوابيس الليل )

لم أر شخصا في زهد و ترفع الحلو لم يشغل نفسه أبدا بالمال و جمعه و لا بمظاهر الترف و ظل و هو بكل هذا الإرث و التأريخ يمشي مع غبراء الناس في المواصلات العامة و السير علي قدميه في أغلب مشاويره .

بعد وفاة زوجته ظل ملازما لأسرته الصغيرة و لعله أدرك متأخرا أنه لم يترك لهم منزلا يأويهم و كان يتحسر علي ذلك و يكتمه لذا كانت سعادته لا توصف و هو يحصل علي منزل ناله مكافأة و تكريما من جهة نافذة في الدولة و كم كانت دموعه ذاك اليوم عصية و معبرة .

هذه الصفات الشخصية الحميدة و الجليلة اجتمعت في أستاذي و زميلي كما يحلو له القول عيسي الحلو ذلكم ( الكائن ) الفريد المتميز الذي إختار أجل المهن و أشقاها و أقلها كسبا ماديا و أكثرها في عائدا المعاني السامية الرفيعة مهنتي التعليم و الصحافة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى