(عشراقة) مزمل صديق يكتب… حلم العالم.. عندما تسقط أقنعة القبيلة ويبقى الإنسان

* (حلم العالم ناس تتسالم.. والبنى آدم صافي النية).. ليست هذه الكلمات مجرد مطلع أغنية سودانية تلامس الشغاف وتحرك الاوردة والشرايين برهة من الزمن لتزول بزوال المؤثر بعد لحظات ، ولم تكن أمنية عابرة يُدندن بها البسطاء في أزقة القرى وحواري المدن؛ بل هي دستور إنساني كامل الدسم، وتعتبر أكبر وصفة لتعافي وطنٍ أثقلت كاهله الجراح، ومزقته صراعات الجغرافيا، وأرهقته النعرات الضيقة.
* لقد عاش السودان عقوداً طويلة يستنزف طاقاته وأبناءه في معارك صفرية، لم تكن سوى نتاج طبيعي لجرثومة (العنصرية والجهوية والقبلية والمناطقية) . هذه الرباعية الخبيثة التي تحولت من مجرد انتماء إجتماعي طبيعي وتنوع ثري، إلى أسلحة شاهرة يُلوح بها أصحاب المصالح الضيقة لإذكاء الفتن وتفتيت النسيج الاجتماعي وتحقيق مآرب وتطلعات من يؤمنون بقدرات السودان وامكاناته الهائلة.
* إن خطورة الخطاب القَبَلي لا تكمن فقط في أنه يقسم المجتمع إلى “أنا” و”الآخر”، بل في كونه يلغي عقل الإنسان، ويُحيد ضميره، ويجعله يرى أخاه في الوطن خصماً أو عدواً لمجرد اختلاف اللهجة أو العرق أو الإقليم.
* إن التاريخ والواقع يتفقان على حقيقة واحدة: القبيلة ليست خياراً نتباهى به، والجهوية ليست صكاً للمواطنة. لم يختر أي منا البقعة التي ولد فيها، ولا القبيلة التي ينتسب إليها، فكيف نجعل من “اللامختار” معياراً للتفاضل والاقتراب أو الابتعاد؟
إن المعيار الوحيد الذي يبني الأوطان المستقرة ويضمن كرامة الإنسان هو “المواطنة المتساوية” التي لا تُفرق بين من يقطن شرق البلاد أو غربها، شمالها أو جنوبها.
* ما نعيشه اليوم من تحديات جسام يفرض علينا مواجهة الذات بكل شجاعة وصراحة. وان تكون أولى خطوات الخروج من النفق المظلم تبدأ من “صفاء النية”؛ أن ننظف خطاباتنا، ومنشوراتنا، ومجالسنا من مفردات الاستعلاء والتشكيك والتعميم الخاطئ.
* إن السلام لا يبدأ من منصات التفاوض السياسي فحسب، بل يبدأ من النفوس التي تتسامح، والعقول التي تتسامى فوق الانتماءات الضيقة، والأيدي التي تتشابك لبناء ما دمرته الفتن، وارهقته الحروب المتواصلة فمنذ نشأتنا ظل المكون السودانى ضحية لتلك الممارسات الخبيثة التى لا تريد للبلاد صلاح حال، لجهة ان صلاح حال السودان سيجعله فوق الآخرين فهم يريدون ذلك ونحن العكس فلنتشبث جميعا ببلادنا وخيراتها وليحب بعضنا البعض (فانت سودانى وسودانى انا) لنجعلها مصدر قوة لا العكس.
* التنوع العرقي والثقافي في السودان كان يجب أن يكون مصدر قوة وإثراء حضاري وعلامة مميزة لسودانيتنا التى نفاخر ونجاهر بها بالسنتنا فلنشارك قلوبنا وضمائرنا ذات المعنى والمغذى، لا ان نجعلها خنجراً يُغرس في جدار الوطن. ولن نصل إلى الدولة التي نحلم بها إلا إذا أدركنا أن سقف الوطن يسع الجميع، وأن انهياره يسقط على رؤوس الجميع دون استثناء.
* ختاما دعونا نجعل من ذلك الحلم واقعاً معاشاً: أن تتسالم النفوس، وأن تُطوى صفحات التعصب القبيح، وأن نلتقي جميعاً عند كلمة سواء، عنوانها الإنسانية، وعمادها سلامة الصدر، وغايتها وطنٌ واحد تسوده العدالة، والمساواة، والعيش المشترك الكريم المبرأ من كل عيب . اللهم أصلح حال البلاد والعباد



