مقالات الظهيرة

سلاح المدرعات النار والشرار: 20 أغسطس 2023م… حين انكسرت 8 موجات و180 هجوماً على صخرة الإيمان… ملحمة الخرطوم التي أعادت كتابة معادلة معركة بدر في القرن الـ21

بقلم /الدكتور محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

*أغسطس 2026م*

_______________

 

في مثل هذا اليوم العشرين من أغسطس من عام 2023م، وقف التاريخ على أطراف أصابعه في جنوب الخرطوم، في منطقة الشجرة العسكرية حيث يقع “سلاح المدرعات” الحصن الاستراتيجي الذي يمثل مركز القيادة والتحكم لسلاح المدرعات التابع للجيش السوداني.

في ذلك الصباح الباكر شنت قوات الدعم السريع هجوماً هو الأعنف منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، إذ دفعت بنخبة مقاتليها وبأكثر من 8 موجات بشرية متتالية و120 آلية قتالية بينها دبابات ومدرعات ومدفعية، في محاولة لاقتحام أسوار المدرعات والسيطرة على مجمع الذخيرة.

وجاءت الإشارة من الموقع X إلى غرفة السيطرة والعمليات بما يخلع القلوب: “يا سعادة أنا شايف بداية العربات العايزة تهجم لكن ما شايف نهايتها”. فأدرك الجميع أن القادم ليس معركة عادية، بل هو امتحان وجودي لن يوقفه ثنائي ولا رباعي ولا قناصة ولا BTR، وإنما توقفه قلوب امتلأت يقيناً بالله.

 

لقد ظن المتابعون في الداخل والخارج أن هذه هي النهاية، فالقوات المهاجمة بالآلاف المؤلفة والعتاد الذي ساقته يكفي لاجتياح مدن، وقد وثقت تقارير حقوقية أن الدعم السريع أطلق في بعض الأيام أكثر من 500 قذيفة داخل “الصندوق القتالي” للمدرعات، وحاصر الموقع 20 شهراً وشن عليه 180 هجوماً بغرض السيطرة عليه.

ولكن سرعان ما تبين زيف هذا الظن، وتحطمت آمال المهاجمين مع أول اندفاع لهم، فقد وجدوا أمامهم رجالاً يحبون الموت كما يحب خصومهم السلطة. وقد أعلن الجيش السوداني في بيانه الرسمي ذلك اليوم أن قواته “كبدت المليشيا المتمردة خسائر ضخمة تضمنت مئات القتلى والجرحى وتدمير 5 مدرعات ودبابة تي 55 و 2 عربة مدفع م/ط ثنائي واستلام 3 دبابات وعدد من العربات المسلحة ولاذ العدو بالفرار”. وفي المقابل ادعى الدعم السريع مقتل 260 من عناصر الجيش وأسر المئات والاستيلاء على 34 مدرعة، إلا أن الواقع على الأرض والصور التي بثها ضباط المدرعات من داخل غرفة السيطرة في 22 أغسطس أكدت صمود الموقع وانكسار الهجوم. وكما قال أحد الفرسان بعفوية العارفين “ما بقاتل الحديد لكن بتقاتل قلوب الرجال”، فكانت هذه العبارة وحدها عقيدة قتالية كاملة.

 

إن المتأمل في هذه المعركة يجدها صورة مطابقة لمعارك الصحابة رضوان الله عليهم في بدر وأحد واليرموك. ففي بدر كان الفارق 313 مقابل ألف، وفي اليرموك 36 ألفاً أمام 200 ألف، ولم يكن الفارق عدداً ولا عدة وإنما إيماناً ملأ القلوب. وكذلك في المدرعات.

فقد تحولت الأسوار إلى صفوف كصفوف بدر، وتحولت دبابات العدو إلى غنائم، لأن المقاتل هنا لم يكن يقاتل لأجل راتب بل يقاتل لدفع الصائل عن الأرض والعرض والدولة. وهذا يدخل في باب “جهاد الدفع” الذي أجمع الفقهاء على وجوبه بلا إذن إمام إذا تعينت الذود عن الحرمة، وقد قال ابن تيمية رحمه الله “فأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً”. فما قام به المرابطون هو ذاته ما قام به أهل المدينة يوم الخندق حين قالوا “هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله”.

 

ومن زاوية التحليل الاستراتيجي البحت فإن معركة 20 أغسطس 2023م يمثل نقطة تحول في حرب الخرطوم. فالمدرعات لم تكن مجرد معسكر، بل كانت شريان حياة للاقتصاد السوداني إذ تحتضن مستودعات رئيسية للمواد البترولية والغاز. ولو سقطت لسقطت معها أحياء جبرة والكلاكلة والشجرة واللاماب التي فر منها آلاف الأسر. وقد أثبتت المعركة أن العامل المعنوي يتفوق على العامل المادي، فالجندي الذي يقاتل بعقيدة يضاعف فاعليته ثلاث مرات، بينما المرتزق الذي يقاتل بالمال تنهار معنوياته بأول خسارة. وقد استمر صمود المدرعات 20 شهراً تحت الحصار قبل أن يتم فك الحصار كلياً بعمليات برية مكثفة، وهو رقم قياسي في حروب المدن الحديثة.

 

ولابد من تسجيل الحقيقة كاملة. لقد أطلق المتمردون أثناء هروبهم قذائف هاون على منطقة السلمة مما أدى إلى استشهاد 6 مواطنين، وقصفوا كرري البلد فاستشهدت امرأتان وأصيب 8 مواطنين، ولوحظ استخدام أعداد كبيرة من القصر وصغار السن في الهجوم مما يضاف إلى سجلهم الحافل في جرائم الحرب. وفي المقابل قدم أبطال المدرعات ملحمة سيذكرها التاريخ، وأظهرت مقاطع الفيديو التي بثها الجيش لاحقاََ جنوداً يحتفلون داخل غرفة العمليات بعد 3 أيام من المعارك الضارية.

 

وليبلغ الشاهد الغائب أن سلاح المدرعات علمتنا درساً لن ننساه: أن الدول لا تبنى بالشعارات، وأن السيادة لا تستأجر، وأن الرجال الذين ثبتوا يوم 20 أغسطس 2023م هم الذين فتحوا لنا طريق 2030م.

فمن أراد أن يكمل الطريق فليملأ قلبه بما ملأوا به قلوبهم: إيماناً بالله، وحباً للوطن، واستعداداً للموت قبل الحياة. سيسطر التاريخ هذه الملاحم في صفحات من نور، فقد صنعت المدرعات وحدها تاريخاً وبطولات ستتعجب منها الأجيال القادمة، وستظل “المدرعات النار والشرار” رمزاً للصمود، ناراً على كل معتد أثيم، ونوراً وهداية لكل من أراد لهذا الوطن أن يقوم من كبوته. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى