صهيب حامد يكتب… حرب ترمب أم حرب نتنياهو!!؟ كيف نفهم الحرب ضد إيران في سياقها الصحيح!؟ (٣-٣)

حسناً.. وكما أسلفنا في الحلقة السابقة نلاحظ أنه ومن جملة أكثر من ١٦ مليون مليون برميل/يوم وهو الإستهلاك اليومي للصين تنتج هذه الأخيره منه داخلياً ٥.٣ مليون برميل/يوم داخليا و٥.٥ مليون برميل/يوم من النفط الرخيص جدا الذي تتحصل عليه الصين من كل من روسيا وإيران وفنزويلا بفعل العقوبات الأمريكية التي تمنع دخوله السوق العالمي ، وهكذا كي لا تجد الصين نفسها مضطّرة سوى لشراء أقل من ثلث إحتياجاتها النفطية بالسعر العادل عالمياً.. ولكن كيف تتحايل الصين لضمان هذه الفوائد الضخمة!؟.لقد عثرت الصين على كنزها الثمين بعد عثورها على شبكة نفط الظل (Shadow oil) الذي يديره كل من مجتبى خاميني (إبن المرشد السابق الذي انتخب مرشداً بعد أبيه) وحسين شمخاني إبن السيد/على شمخاني مستشار المرشد الأعلى السابق.
وهي شبكة تخصصت في إدارة النفط المعاقب في العالم (Sanctioned oil) فكما هو معلوم أن نوعية النفط الفنزويلي الثقيل جدا المنتج في حوض أورينوكو (API 8) يحتاج لما يسمى بالحقن الحراري بنفط خفيف (Light oil) في سبيل ضخ الخام من الآبار تمهيدا لضخه إلى السوق العالمي ، وبما أن ذلك كان يتم بالتعاون مع الولايات المتحدة قبل توتر العلاقات بين البلدين منذ فترة الرئيس تشافيز فصاعداً ، إذن حلت شبكة الظل الإيرانية بقيادة حسين شمخاني محل الولايات المتحدة لتقوم إيران بتوفير النفط الخفيف من حقولها (أعلى من ٣٤ API) لعمليات الحقن الحراري للنفط الفنزويلي الثقيل.
فتتقاضى شبكات الظل الإيرانية مقابل ذلك إما نفطاً رخيصاً فنزويلياً يشحن على فوره إلى الصين أو تتقاضى (ذهباً) ففنزويلا هي الأكبر في أمريكا اللاتينية في إنتاج الذهب (Orenico mining ARC). وكذلك فإن فنزويلا بمعزل من المقايضة الإيرانية تمنح الصين ٤٠٠ الف برميل/يوم بسعر تفضيلي لضيق فرصة تسويقه في السوق العالمي وبفعل ثقله وإحتوائه على نسبة عالية من الكبريت. وبالطبع فإن شبكة الظل الإيرانية تشحن بدورها النفط الإيراني عبر إسطول مخصوص يسمى بإسطول الظل (Shadow fleet) من إيران إلى الصين. ولكن هنا تتم عمليه تمويه كبرى.
حيث يتم نقل كل من النفط الإيراني و الفنزويلي المشتري صينياً من سفن إسطول الظل القابعة في أعالي البحار إلى سفن ترفع الإعلام الماليزية أو الاندونيسية (False flag operations) وبل أحياناً سفن عمانية أو إماراتية لذلك فإن أضابير مصلحة الإحصاء الصينية لا تورد ذكراً لواردات نفط من إيران أو فنزويلا والمضحك هنا هو ما إذا بالإمكان تفسير كيفية توريد كل من ماليزيا وإندونيسيا نفطاً ثقيلاً (Heavy soar oil) للصين لا تمتلكه لا نوعاً أو كمّاً!!.وهنا ثمة مفارقة طريفة.
فلقد دخل حسين شمخاني (بتوجيه سيادي إيراني) في شراكة تقضي تولي حزب الله اللبناني الإستثمار في تطوير وتشغيل وصيانة مصافي الإستهلاك الداخلي لفنزويلا لإنتاج البنزين ، وكما هو معلوم أن النفط الفنزويلي الثقيل يقتضي مصافي تكرير مخصوصة (توقفت معظم المصافي بفنزويلا بعد العقوبات الأمريكية لانعدام قطع الغيار والصيانة والتي كانت تتم أمريكياً) وهكذا كي توفر الدولة الإيرانية الدعم الفني لإستثمارات الحزب هناك بما في ذلك قطع الغيار الضرورية والصيانة مقابل أن تسمح الحكومة الفنزويلية بمنح (الحزب) ترخيصاً لتصدير الذهب ودوماً دبي هي الوجهة المفضلة لتسويق ذهب الحزب اللبناني!!.
إذن هنا تكمن المعضلة الأمريكية (American dilemma) التي أراد الرئيس ترمب حلّها (أكروباتياً) بعكس (أوباما) و(بايدن) اللذان أرادا حلاً وقوراً ومستداماً يضع الإعتبار الأول للسياق الإستراتيجي ل(المعضلة)!!. فلقد إستطاعت الصين وعلى مدار ٤٠ عاماً أن تجتذب الاستثمارات الصناعية من شرايين الإقتصاد الأمريكي وتوطينها في البر الرئيسي الصيني (Mainland China) مشترطة وجود شريك صيني (Joint-venture) لهذه الاستثمارات وهو ما مكّن من نقل التقنية صينياً الأمر الذي أثارته الولايات المتحدة في وجه الصين فيما بعد في ما أسمي بسرقة الملكية الفكرية (Intellectual properties)!!. بالطبع فإن نقل التصنيع لخارج الولايات المتحدة قد إقتضتها مشكلة الركود التضخمي التي أشكلت على الإقتصاد الأمريكي في فترة الرئيس رونالد ريغان ، وهكذا كي تنطلق الصين لتصبح الدولة الأكثر تصديراً في العالم (The more universal exporter) بإجمالي صادرات في العام ٢٠٢٤م بلغ ٣.٦ ترليون دولار ذهب منها للولايات المتحدة فحسب ما يتجاوز ٥٥٠ مليار دولار مقابل صادرات أمريكية للصين لا تتجاوز ١٤٠ مليار دولار (!!) بعجز في ميزان المدفوعات لصالح الصين يزيد عن ال ٤٠٠ مليار دولار سنوياً!!. المعضلة ليس ذلك فحسب بل نجد أن هذا العجز ليس مع دولة الصين فحسب بل يشمل كل من اليابان والهند والاتحاد الاروبي ودول آسيان وتايوان وكوريا الجنوبية ودول الخليج ليبلغ في جملته ١.٨ ترليون دولار وهو إشكال هيكلي في الإقتصاد الأمريكي مدفوعاً بنهم قومي إستهلاكي يتجاوز ١٩ ترليون دولار من موازنة تبلغ ٣٠ ترليون دولار اي ٧٠٪ من الموازنة السنوية للولايات المتحدة الأمريكية!!. بالطبع أن الحل البديهي هو أن تقلص الحكومة الأمريكية الحجم الكلي للإستهلاك ، ولكنه إجراء محفوف بالمخاطر السياسية في ظل تنافس محموم بين الحزبين حول شعارات تحقيق دولة الرفاهية ، لذا فليس من مناص للنخبة السياسية الأمريكية سوى التباري في تشجيع دولة الرفاهية مع التفتيش عن حل لهذه (المعضلة) في مكان آخر!!.
وبالطبع وفق هذا التشوه الهيكلي (ضخامة حجم الاستهلاك) أصبح السوق الأمريكي وجهة مغرية لكل الإقتصادات المصنعة وعلى رأسها الإقتصاد الصيني يليه الاتحاد الأروبي ثم آسيان والهند واليابان وكوريا. بالطبع تواجه هذه الدول نفسها معضلة عجز الموازنة الأمريكية لذا فهي تضطر لشراء سندات الخزانة الأمريكية (Treasury bonds) أي مساعدة الحكومة الأمريكية على الإستدانة للحفاظ على مستوى الإستهلاك الأمريكي لجعل مصانع الدول المصدرة (Exporters) مفتوحة لسبب سياسي كذلك وهو خلق وظائف في تلك الدول!!. إذن الحكومة الأمريكية تعلم انها تعيش في فقاعة سوف تنفجر في اي لحظة مطيحة بالحلم ودولة الرفاهية!!.
حسنا.. ما هو حل الرئيس ترمب لهذه المعضلة!؟..حرمان الصين من الطاقة الرخيصة لرفع تكاليف مدخلات الإنتاج بالسوق الصيني في سبيل عودة الإستثمارات الصناعية للوطن وهو الحل النهائي لهذه المعضلة!. لقد كانت آلية الإدارات الأمريكية قبل ترمب هي (العقوبات) كي تحرم واشنطن الصين من الإستفادة من النفط المعاقب (Sanctioned oil) من إيران وفنزويلا إلى جانب روسيا. وبما ان الدولة الصينية ذات مصالح كبرى في السوق الأمريكي (يبلغ ميزان المدفوعات بين البلدين ما يقارب ال ٧٠٠ مليار دولار في ٢٠٢٤م) وهو بطبعه لصالح الصين ، لذا تميل (بيكين) للإلتزام المؤسسي والقانوني ظاهرياً بالأوامر التنفيذية الأمريكية في هذا الصدد!!. ولكن من يدٍ فإن الدولة الصينية تعلم الطبيعة السياسية لهذه العقوبات لذا فهي تمنح المؤسسات الخاصة الصينية التي لا ترتبط بعلاقات عميقة بالسوق الأمريكي حق إختراق هذه العقوبات وفق ترتيبات لا يمكن إثباتها!!. ظهرت في ولاية شاندونغ الصينية بعض الشركات التي تمتلك مصافي لتكرير النفط المعاقب (Sanctioned oil) القادم من كل من إيران وفنزويلا والنفط الروسي الوارد عبر البحر (Seaborne Russian oil) من خام إسبو (ESPO). تتيح الحكومة الصينية لهذه المؤسسات بشاندونغ والتي تسمى محلياً وعالمياً بمصافي أباريق الشاي (Teapot refinaries) حيث تقوم السفن الإيرانية بالشحن من ميناء التصدير ومن ثم يتم اللجوء لتكنيك الأعلام الزائفة (False flags) لتقنين وضع النفط الداخل للصين. بالطبع فلقد كانت الحكومات الأمريكية على علم بذلك ولكنها لا تستطيع التحكم الكلي فيه.
وهكذا كي يأتي الرئيس ترمب أخيراً وبعد هزيمته أمام غرماءه الصينيين في حرب الرسوم الجمركية مقرراً وضع حدٍ لكل ذلك كي يختطف أولاً الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فيسيطر على النفط الفنزويلي بالترهيب الترمبي المعتاد دون دفع فواتير باهظة!!. إذن ومن هناك إنفتحت شهية الرئيس ترمب لمغامرة (إيران) خصوصاً أنه لا يحتاج حتى لجهد الاستدراج البسيط ليصور لنتنياهو أن أمريكا أخيراً أتته بقضّها وقضيضها لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى ولكن في النهاية إتضح لنتنياهو أن ليس ثمة سوى حلم (ترمب)!!.. إنتهى.



