(شــوكة حــوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب.. المســـؤول (البـــروس)
*فى الطبيعة يُدهشك أحياناً ظهور نبات غريب الأطوار مجهول المنشأ والنسب يخرج من قلب التربة دون أن يحرثها زارع ودون أن تسكب عليها أيدٍ مخلصة قطرة ماء واحدة هو نبات يعرف بالبوس الكائن الطفيلى الذي يفرض وجوده على الجغرافية بلا استئذان ينمو في خفاء وتسلل متسلقاً على جهود غيره من المزروعات النافعة.
ومستعرضاً سيادته الزائفة على أرض لم يقدم لها قطرة عرق واحدة وهذه الظاهرة النباتية العجيبة لا تقتصر على الحقول والمساحات المهجورة فحسب بل تجد طريقها بامتياز إلى الكواليس المظلمة للهياكل الإدارية والسياسية فكم من مسؤول بروس يطفو فجأة على سطح المشهد العام يتربع على عرش كرسى مرموق ويتسنم منصباً رفيعاً دون أن تُعرف له مقدمات أو يُسجل له تاريخ من العطاء والتعب أو تشهد له الميادين بجهد حقيقى يستحق عليه هذا الارتقاء*.
*يمضى هذا المسؤول البروس فى مسيرته ممتطياً صدفة الحظ أو مجاملات الكواليس يقفز فوق المراحل والدرجات الوظيفية بخفة غريبة تتحدى قوانين الكفاءة والمنطق بينما يتصبب العرق من جباة الشرفاء والمبدعين الذين ينفقون أعمارهم في البناء والتعلم تجد المسؤول البروس يجنى ثمار زراعة لم يغرسها مستمتعاً بقطاف لم يتعب فى حراسته وكأن المناصب أصبحت تُوهب لمن لا يستحقها على حساب من يستحقها لكن النبت الغريب لا يستطيع العيش فى التربة الخصبة النظيفة لذا يطيب للمسؤول البروس دائماً أن يحيط نفسه ببقعة تشبه منشأه إنه لا يزدهر إلا وسط الحشائش الضارة تلك الشخصيات السامة والمؤذية التى تحترف النفاق وتقتات على الشائعات والدسائس وتتغذى على تعطيل المصلحة العامة إنها بيئة طفيلية متكاملة يتقوى فيها الظل على الأصل ويبتلع فيها الهامش الجوهر*.
*إن الجرم الأكبر لهذا الصنف من المسؤولين لا يكمن فقط فى عجزهم الإدارى بل في فقرهم المفتقر للسند الشعبي إنهم يعيشون فى أبراج عاجية مقطوعى الصلة بالشارع ونبض الناس لا يملكون رصيداً من المحبة ولا شرعية من الإنجاز يتغذون على نفوذ زائف ومظلة واهية يظنون أنها تدوم متناسين أن الجذور التى لا تمتد فى أعماق الأرض وسويداء القلوب سرعان ما تجف وتتلاشى ووجود المسؤول البروس فى أي مؤسسة ليس مجرد حالة عابرة بل هو كارثة تنظيمية تمتص دماء الكفاءات الحقيقية إنه يمارس خنقاً ممنهجاً لكل نبتة صالحة تحاول النماء جواره خوفاً من أن يكشف طولُها قَزَامَتَه أو يفضح نفعُها عُقْمَ وجوده وبذلك تتحول المؤسسات الناجحة تحت قيادته إلى أراضٍ بور يهاجر منها المبدعون وتتكسر على صخرتها الطاقات*.
*غالباً ما يتقن هذا المسؤول فن البهرجة الفارغة يحيط نفسه بهالة من المظاهر والخطابات الرنانة التى تعوض الفراغ المعرفى والمهنى لديه إنه ظاهرة صوتية بامتياز يسعى لتغطية حقيقة أنه نبت بلا جذور بعاصفة من الضجيج الإعلامى والاجتماعات الصورية لكن العاصفة سرعان ما تهدأ لتبدي ما تحتها من هشاشة وفراغ إن الطبيعة وإن تسامحت مؤقتاً مع وجود النباتات الطفيلية تملك قانوناً صارماً للتطهير والسيطرة وكذلك تفعل المجتمعات والمؤسسات الحية قد يمتد عمر البروس لبعض الوقت وقد يتمدد ظله بفعل غياب الرقابة وزكام المقاييس لكنه يظل فى النهاية كائناً هشاً لا يصمد أمام أول هبة ريح من الحقيقة ولا يقوى على مواجهة اختبارات الأزمات الجسيمة*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*إن معالجة أزمة المسؤول البروس لا تتطلب فقط اقتلاعه عند اكتشافه بل تمتد لتطهير البيئة الإدارية كاملة من الحشائش الضارة التى تمهد له الطريق إنها معركة وعى وترسيخ لمعايير الحوكمة والشفافية حيث لا يُقاس المسؤول بقربه من الدوائر المغلقة بل بحجم إنجازه الملموس وأثره الباقى ومدى ارتباطه بالناس الذين وُجد أساساً لخدمتهم*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*فى نهاية الأمر سيذهب الزبد جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض سيمضي البروس كما مضى غيره ولن تذكر أروقة المؤسسات سوى أولئك الذين زرعوا بعرقهم وسقوا بفكرهم وبنوا بشرفهم أما الطفيليات التى تسلقت على الجدران فمصيرها المحتوم هو الاجتثاث والنسيان لتظل العبرة قائمة لا يصح فى النهاية إلا الصحيح ولا يدوم إلا ما كان أساسه متيناً وثمره نافعاً*
yassir.mahmoud71*gmail. com



