سيطرة الأوباش على الخرطوم للمرة الثانية.. التاريخ يعيد حقبته المظلمة وصمود الكلاكلة

بقلم: دكتور عامر ابراهيم محمد بابكر:
1- استباحة الخرطوم.. حين تولى الخليفة عبد الله الحكم
لم تكن مأساة الخرطوم في سقوطها يوم 26 يناير 1885م فقط، بل فيما حدث بعد تولي الخليفة عبد الله مقاليد الحكم بعد وفاة المهدي بستة أشهر.
في تلك المرحلة المفصلية تحولت الخرطوم من عاصمة مفتوحة إلى مدينة مستباحة مرتين. المرة الأولى بالنهب والسلب عند السقوط، والمرة الثانية بقرار سياسي خطير.
ففي آب (أغسطس) 1886م أمر الخليفة عبد الله بإخلاء الخرطوم تماماً في خلال ثلاثة أيام، وهدم كل المباني ذات الشأن العظيم، ونقل المواد الحديدية والخشبية وأية مواد البناء الأخرى إلى أم درمان لتشييد المنازل هناك.
وكان الدافع تشدد الخليفة في منع الناس من الهجرة والسكنى في الخرطوم مخافة أن يكون هذا نذر إزالة دولته واعتقادا في أم درمان كبقعة مباركة اختارها المهدي عاصمة له.
2- تغيير السكان ومصطلح الوجوه الغريبة
هنا ظهر لأول مرة مصطلح “الوجوه الغريبة” بمعناه السياسي.
في بداية حكم الخليفة عبد الله اتسعت عملية التهجير القسري، وحدثت حركة هجرة جماعية لترحيل سكان آخرين موالين من مناطق بعيدة إلى أم درمان لتأمين مركز الخليفة وحماية سلطانه.
أُفرغت الخرطوم من أهلها الأصليين، وسُكنت بغيرهم، في عملية هندسة ديمغرافية مقصودة، ليصبح ابن البلد غريباً في عاصمته.
3- ثبات أهل الكلاكلة.. من المأساة إلى السخرية من قبح المتمرد
الكلاكلة التي يرجع تاريخها إلى حوالي 450 سنة منذ قدوم الشيخ علي بن محمد بن كنة المشهور بـ “فتاي العلوم”، كانت دائماً في قلب المواجهة. وقد جسد أهلها صموداً أسطورياً في وجه التمرد الأخير، رفضوا النزوح وتمسكوا بأرضهم رغم القصف والانتهاكات.
وقد أشاد السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عقب أدائه صلاة الجمعة بمجمع شيخ الهدية بالكلاكلة القبة، بمواطني المنطقة والقائمين على المبادرات الطيبة فيها، واصفاً الكلاكلة بأنها نموذج حي للتمسك بالأرض ومقاومة الظلم والتمرد، وأنها مثال يحتذى به لأهل السودان الذين قرروا الإعمار وإعادة اللحمة الوطنية.
لست أقصد أن ثبات أهلها مضحك، حاشا، بل أقصد أن القصص المحزنة والمرعبة والمؤلمة التي عاشها أهل الكلاكلة تحت سطوة التمرد، بكل حجم التضحيات والدماء، أصبحت اليوم بعد التحرير وفرحة النصر، مضحكة عند النظر إليها.
مضحكة ليس استهزاءً بالألم، بل سخرية من تصرفات المتمردين القبيحة وغبائهم، حين ترى كيف كانوا يتصرفون كأوباش بلا خطة ولا عقيدة، فتضحك على تفاهتهم بعد أن أبكوك بقسوتهم.
4- ميدان النجوم.. الاعتداء على الرئة الرياضية ومناشدة للقيادة
الاعتداء على ميادين الرياضة كان مقصوداً، وميدان النجوم الرياضي الذي عُرف قديماً برابطة الكلاكلة، لم يكن مجرد تراب.
المطلوب اليوم ليس فقط تنظيفه من آثار التمرد وجثث الهلكى ونبش جثامين الشهداء الكرام وإعادة دفنهم بطريقة شرعية تليق بكرامة الميت، ونقل هلكى العصبة المتمردة إلى أماكن محددة معزولة تحكي للأجيال غدرهم وخيانتهم، بل المطلوب الأهم أن يعود الميدان كما كان وأفضل.
أن يعود كملعب لكرة القدم، ليستفيد منه الشباب في بناء أجسام قوية سليمة، تستطيع الدفاع عن الوطن إذا ما دُعي الداعي للفداء، فالرياضة ليست لهواً، بل إعداد.
ومن هنا نناشد السيد رئيس المجلس السيادي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن يتبنى شخصياً مشروع تسوير وتنجيل وإنارة هذا الميدان، ليصبح رمزاً تاريخياً يحكي اهتمام الدولة بالرياضة والرياضيين، وتكريماً لصمود أهل الكلاكلة وتضحياتهم، وليبقى شاهداً حياً على أن الدولة تعيد بناء ما هدمه التمرد، وتصنع من مكان الألم مكاناً للأمل.
5- الكلاكلة القطعية تحديداً.. المسجد الذي لم يصمت
وفي الكلاكلة القطعية تحديداً، كان المشهد أكثر وضوحاً.
ظل مسجد الشيخ دفع الله العتيق عامراً، تقام فيه الصلوات الخمس على الرغم من سطوة وتجبر المتمردين. لم يغلق يوماً.
وهنا نقف إجلالاً لأخينا الشيخ فتحي عبد الله الشيخ دفع الله وآخرين من الأسرة الكريمة، ما لانت لهم قناة، بل وقفوا كالطود العظيم رافعين الأذان، ثابتين في المحراب، .
ولا ننسى أبناءنا المغتربين الذين كانوا السند الحقيقي، بدعمهم السخي للتكية إعانة للأهل والعاملين عليها في أحلك الظروف، فكانوا زاداً وقت الجوع وأماناً وقت الخوف، لهم منا كل التقدير.
كما نشد على يد الفارس الهمام أبو الشهيد أحمد محمود ورفاقه الكرام على الجهد العظيم الذي بذلوه للحفاظ على ميدان النجوم من الضياع والنهب، فحفظوا للأجيال القادمة ملعبهم وذاكرتهم.



