مقالات الظهيرة

سلسلة الحوار السوداني–السوداني… الاقتصاد في قلب الحوار… كيف يصبح السلام فرصة لبناء السودان؟

الحلقة (16): الاقتصاد في قلب الحوار… كيف يصبح السلام فرصة لبناء السودان؟

بقلم: محمد الأمين عبدالباقي

منبر الوعي السوداني – منصة صوت الوعي

حين يتحول الحوار من تقاسم السلطة إلى صناعة الحياة

عندما نتحدث عن مستقبل السودان، كثيرًا ما تتجه الأنظار إلى شكل الحكم، والعلاقة بين القوى السياسية، ومستقبل المؤسسات، وكيفية الوصول إلى تسوية تنهي الصراع. وهي قضايا مهمة، لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف سيعيش السودانيون بعد أن تنتهي الحرب؟

كيف سيجد الشاب فرصة للعمل؟ وكيف يعود المزارع إلى أرضه؟ وكيف تستعيد الأسواق نشاطها؟ وكيف تتوفر الخدمات في القرى والمدن؟ وكيف تستطيع الأسرة أن تؤمّن احتياجاتها الأساسية وتخطط لمستقبل أبنائها؟

هذه الأسئلة ليست بعيدة عن الحوار الوطني، بل تقع في قلبه؛ لأن المواطن لا ينتظر من أي اتفاق أن يغيّر المشهد السياسي فحسب، وإنما يريد أن يرى أثره في حياته اليومية.

ومن هنا، يحتاج الحوار السوداني–السوداني إلى توسيع دائرة اهتمامه، بحيث لا ينحصر في من يحكم البلاد، بل يمتد إلى كيفية إدارة مواردها، وتحقيق التنمية، وتوفير فرص العمل، وضمان وصول الخدمات إلى المواطنين بعدالة.

السلام الذي لا يغيّر حياة الناس يظل ناقصًا

قد تنجح الأطراف في التوصل إلى تفاهمات سياسية، لكن نجاح هذه التفاهمات على المدى الطويل يرتبط أيضًا بقدرتها على فتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

فالمجتمع الذي يعاني البطالة، وتراجع الخدمات، وضعف فرص الإنتاج، يظل عرضة للتوترات التي تعمّق الانقسام وتضعف الثقة في المستقبل.

ولا يعني ذلك أن الفقر وحده يصنع الحروب، أو أن التنمية الاقتصادية تكفي وحدها لمنع النزاعات؛ فالصراعات لها أسباب سياسية واجتماعية وأمنية وتاريخية متداخلة. لكن معالجة الأوضاع المعيشية، وتحسين فرص الناس، وتوسيع المشاركة في التنمية، كلها عوامل يمكن أن تدعم الاستقرار وتمنح السلام أساسًا أكثر متانة.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في أي حوار وطني هو: ما الذي سيتغير في حياة المواطن إذا نجحنا في الاتفاق؟

إذا لم نجد إجابة عملية عن هذا السؤال، فإننا نخاطر بأن يبقى الحوار بعيدًا عن هموم الناس، مهما كانت لغته جميلة أو وعوده كبيرة.

السودان… موارد تحتاج إلى رؤية عادلة

يمتلك السودان إمكانات واسعة في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية والتجارة والخدمات. غير أن امتلاك الموارد لا يعني تلقائيًا تحقيق التنمية؛ فالمهم هو كيفية إدارتها، والاستفادة منها، وتوزيع ثمارها، وتحويلها إلى فرص عمل وخدمات وقيمة مضافة داخل البلاد.

وهنا تظهر أهمية الحوار التنموي.

فالمزارع في شمال كردفان قد يرى أن الأولوية هي المياه ومدخلات الإنتاج والطرق التي تربطه بالأسواق. وقد يرى صاحب المصنع أن الأولوية تتمثل في الكهرباء والتمويل واستقرار بيئة العمل. بينما يحتاج الشاب في مدينة أو قرية أخرى إلى التدريب وفرصة العمل، وتحتاج الأسرة في منطقة بعيدة إلى مدرسة ومركز صحي ومياه آمنة.

هذه الاحتياجات مختلفة، لكنها ليست متعارضة بالضرورة. ويمكن جمعها في رؤية وطنية واحدة تقوم على ترتيب الأولويات وفق الاحتياج والإمكانات، وعلى منح المناطق المختلفة فرصًا عادلة للمشاركة في التنمية.

إن وحدة السودان لا تُصان بالشعارات وحدها؛ بل تتعزز عندما يشعر المواطن في الريف والمدينة، وفي الشرق والغرب والشمال والجنوب والوسط، بأن له مكانًا في خطط الدولة، وأن موارده وطاقاته جزء من مستقبل البلاد.

من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج

من القضايا التي تستحق نقاشًا وطنيًا واسعًا كيفية الانتقال إلى اقتصاد يمنح الإنتاج قيمة أكبر، ويخلق فرصًا للعمل، ويقلل الاعتماد على استيراد ما يمكن إنتاجه محليًا بصورة مجدية.

في القطاع الزراعي، لا يكفي أن ننتج المحاصيل ثم نتركها تواجه صعوبات التخزين والنقل والتسويق. المطلوب أن تتكامل الزراعة مع الصناعات التحويلية، وأن تتطور سلاسل القيمة، وأن تتاح للمزارعين وسائل الإنتاج والتقنيات المناسبة والأسواق.

وفي الثروة الحيوانية، لا ينبغي أن تتوقف الاستفادة عند بيع الحيوانات أو المنتجات الأولية، بل يمكن توسيع فرص التصنيع والتبريد والتعبئة والتسويق، وفق خطط واقعية تراعي البنية التحتية والقدرات المتاحة.

أما الشباب، فيحتاجون إلى تعليم وتدريب يرتبطان باحتياجات الاقتصاد، وإلى فرص تمكنهم من تأسيس المشروعات والعمل في القطاعات الإنتاجية والخدمية.

هذه ليست حلولًا سريعة لكل مشكلات السودان، لكنها مسارات يمكن أن تصبح جزءًا من برنامج وطني للتعافي إذا أُحسن التخطيط لها، وتوفرت لها الإدارة والتمويل والرقابة.

من يشارك في صياغة المستقبل الاقتصادي؟

إذا ظل النقاش الاقتصادي حكرًا على السياسيين، فقد تُهمَل تفاصيل مهمة يعرفها العاملون في القطاعات المختلفة أكثر من غيرهم.

ولهذا ينبغي أن يشارك في الحوار الاقتصادي المزارعون والرعاة، وأصحاب المشروعات الصغيرة، والمنتجون، والمهنيون، والاقتصاديون، والخبراء، والنساء، والشباب، وممثلو المجتمعات المحلية، إلى جانب مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

فالحوار الفاعل لا يكتفي بجمع الآراء، بل يحوّلها إلى أولويات قابلة للتنفيذ، ويحدد المسؤوليات والموارد، ويضع آليات للمتابعة والمساءلة.

كما ينبغي أن تكون المشاركة حقيقية، لا مجرد حضور شكلي؛ بحيث يستطيع أصحاب الاحتياجات عرض مشكلاتهم، ومناقشة الحلول، ومعرفة ما تم اعتماده وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك.

ومن المهم أيضًا ألا تتحول التنمية إلى أداة للمحاباة أو مكافأة الولاءات، بل أن تخضع المشروعات لمعايير واضحة تتعلق بالحاجة والأثر الاقتصادي والاجتماعي والجدوى والاستدامة.

العدالة في التنمية تحمي وحدة الوطن

عندما يشعر الناس أن فرص التنمية تتركز باستمرار في مناطق محددة، بينما تبقى مناطق أخرى محرومة من الخدمات والفرص، فإن ذلك يضعف شعورهم بالإنصاف والانتماء المشترك.

ومعالجة هذا الخلل تحتاج إلى تخطيط شفاف، وبيانات موثوقة، وأولويات معلنة، وتوزيع للموارد يأخذ في الاعتبار الفوارق بين المناطق واحتياجات السكان.

فالعدالة لا تعني بالضرورة توزيع المخصصات بالتساوي الحسابي بين جميع المناطق، وإنما تعني توجيه الموارد وفق معايير عادلة ومفهومة، بحيث تحصل المجتمعات الأكثر احتياجًا على ما يساعدها في تجاوز الحرمان وتحقيق فرص أفضل.

كما أن المشروعات التنموية ينبغي ألا تُقاس بحجم الأموال التي أُنفقت وحده، بل بما أحدثته من تغيير: هل تحسنت الخدمات؟ هل زاد الإنتاج؟ هل توفرت وظائف؟ هل انخفضت كلفة نقل السلع؟ وهل أصبحت حياة المواطنين أكثر استقرارًا؟

بهذه المعايير يمكن أن تصبح التنمية مجالًا للتعاون الوطني بدلًا من أن تكون سببًا إضافيًا للتنافس والانقسام.

كيف يتحول الحوار الاقتصادي إلى برنامج عمل؟

حتى لا يبقى الحديث عن الاقتصاد مجرد أمنيات، يمكن أن يبدأ الحوار السوداني–السوداني بخطوات عملية:

أولًا: تحديد الأولويات الوطنية.

الاتفاق على القطاعات التي يمكن أن تسهم في استعادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات، مع مراعاة اختلاف احتياجات المناطق.

ثانيًا: الاستماع إلى المجتمعات المحلية.

تحديد الاحتياجات من خلال مشاركة السكان والمنتجين والمهنيين، بدلًا من فرض الحلول من أعلى دون معرفة كافية بالواقع.

ثالثًا: ربط الخطط بالموارد المتاحة.

وضع برامج قابلة للتنفيذ وفق الإمكانات الفعلية، مع تحديد مصادر التمويل وتقدير التكاليف والمخاطر.

رابعًا: حماية المال العام.

تعزيز الشفافية والرقابة والمساءلة، ونشر المعلومات المتعلقة بالمشروعات وأهدافها وتقدم تنفيذها.

خامسًا: قياس النتائج.

اعتماد مؤشرات واضحة لقياس أثر البرامج على الإنتاج والتوظيف والخدمات ومستوى المعيشة، ومراجعة السياسات عندما لا تحقق أهدافها.

بهذا ينتقل الحوار من تبادل المواقف إلى التعاون على حل المشكلات، ومن الاتفاق على المبادئ إلى بناء برنامج وطني يمكن للمواطن أن يتابع نتائجه.

أي سلام نريد للسودان؟

إن الحوار السوداني–السوداني الذي نطمح إليه ينبغي أن يربط بين السلام والعدالة والتنمية، وأن يجعل كرامة المواطن وحقوقه واحتياجاته جزءًا أساسيًا من أي تصور لمستقبل البلاد.

فلا يكفي أن نتفق على شكل السلطة إذا لم نتفق على مسؤوليتها تجاه الناس. ولا يكفي أن نتحدث عن وحدة الوطن إذا لم نعمل على تقليص الفوارق التي تجعل بعض المواطنين يشعرون بأنهم بعيدون عن فرصه. ولا يكفي أن نعد بإعادة الإعمار إذا لم نحدد كيف ستُدار الموارد، ومن سيستفيد من المشروعات، وكيف ستُحمى حقوق المواطنين.

السودان لا تنقصه الإمكانات وحدها، كما أن موارده لا تستطيع أن تحقق أهدافها من دون مؤسسات فعالة وإدارة رشيدة واستقرار وقواعد عادلة للمنافسة والإنتاج.

إن التحدي الحقيقي هو أن نتوافق على رؤية تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، وتجعل التنمية مسؤولية وطنية مشتركة، وتفتح أمام الأجيال القادمة فرصًا أفضل من تلك التي عاشتها الأجيال المتضررة من الصراع.

فالحوار الذي يستحقه السودان هو الحوار الذي لا يسأل فقط: من يتولى السلطة؟ بل يسأل أيضًا: كيف نخلق فرص العمل، ونحمي الموارد، ونحقق العدالة في التنمية، ونمنح المواطن أسبابًا حقيقية للتمسك بالأمل؟

عندما يصبح الإنتاج جزءًا من مشروع السلام، والتنمية جزءًا من المواطنة، والعدالة معيارًا لتوزيع الفرص، فإننا نقترب من بناء وطن لا يكتفي بالخروج من أزماته، بل يمتلك القدرة على صناعة مستقبل أكثر استقرارًا.

محمد الأمين عبدالباقي

رئيس منبر الوعي السوداني

الوعي يوحد… والحوار يبني… والوطن ينتصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى