مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… خطاب البرهان بموسكو… بين صلف الحصار وبلاغة المنبر

عندما مارست الإدارة الأمريكية صلفها المعهود ورفضت منح رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تأشيرة الدخول لحضور مخاطبة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة –في تعدٍ صارخ على الأعراف الدبلوماسية وحق أصيل من حقوق التمثيل الشرعي للدول– ظنت واشنطن أنها قادرة على محاصرة الصوت السوداني وعزل القيادة في زاوية ضيقة. بيد أن جغرافيا السياسة الدولية رحبة، وحين تُغلق أبواب نيويورك بوجه إرادة الشعوب الحرة، تفتح موسكو أبواب منبرها الأممي الوازن لتكتب فصلاً جديداً من إعادة رسم التوازنات. فجاءت مشاركة البرهان في القمة الروسية-الأفريقية رداً بليغاً وعملياً، ومحضناً دولياً لا يقل أهمية عن منبر الأمم المتحدة، لتتحول المحنة إلى منصة استراتيجية كبرى لإطلاق رسائل الرفض المطلق للوصاية، وصياغة قواعد اشتباك سياسي ودبلوماسي تتجاوز هيمنة القطب الواحد.

فقد انتقلت تلك المشاركة من حضور بروتوكولي في محفل كبريات ، إلى مضامين كبرى انثالت من بين ثناياها ؛ حيث استهلها الخطاب بمقاربة حاسمة لمفهوم “السلام”. فالصوت القادم من الخرطوم لا يلهث خلف تسويات هشة تفرضها عواصم الوصاية أو تُمليها أوراق الضغط المسيسة، إنما يضع لها شرطاً وجودياً لا يقبل المساومة: سلام يحقق السيادة، ويعيد هيبة الدولة، وينبثق من إرادة سودانية خالصة . وهذه الفقرة وحدها تحمل رسالة صارمة لكل الدوائر الغربية التي تحاول هندسة المشهد السوداني، فحواها أن الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية لن تقبل بأن تكون مستباحة القرار، وأن أي حل حقيقي يجب أن ينطلق من احترام كرامة الوطن، بعيداً عن الإملاءات العابرة للحدود.

وفي ذات النسق الموضوعي، لم يتنصل الخطاب من استحقاقات الداخل، بل أكد بيقين قاطع على السعي الحثيث نحو التحول المدني الديمقراطي كغاية لا غنى عنها للاستقرار. بيد أن البرهان ربط هذا التحول بمعادلته الدستورية الصحيحة: فترة انتقالية منضبطة ومسؤولة، تعقبها انتخابات حرة ونزيهة يقرر فيها الشعب السوداني مصيره بنفسه، قاطعاً الطريق أمام محاولات اختطاف الدولة أو القفز على الشرعية تحت غطاء الشعارات الزائفة.

وعند الانعطاف نحو الشراكة الاستراتيجية مع روسيا، توغل الخطاب في عمق الدلالة التاريخية؛ فتلك العلاقة التي توشك على دخول عقدها السابع (70 عاماً) ليست وليدة حرب طارئة، وإنما هي تحالف استراتيجى عميق الجذور. وفي زاوية نظر عميقة، يمثل هذا التأكيد رسالة ردع استراتيجية موجهة لمن ظنوا أن إغلاق الأبواب الدبلوماسية سيعزل السودان؛ فخريطة التحالفات الدولية متسعة لمن يمتلكون قرارهم، والخرطوم قادرة على تنويع خياراتها بما يخدم مصالحها العليا ويحفظ سيادتها المتساوية.

واختتم الخطاب أبعاده باستشراف مبادئ للقمة في العدالة والتنمية المستدامة، مستنداً إلى أسس ميثاقية راسخة تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وهنا يكتمل المشهد؛ فالسودان الذي يحارب على جبهة السيادة والكرامة، يجد في الشراكة الروسية-الأفريقية صوتاً يدعم تعددية قطبية تنصف الدول النامية، مؤكداً أن من يرفض منحه حق الكلام في أروقة نيويورك الضيقة، قد استمع العالم أجمع لصوته جلياً من منصة موسكو، واقفاً بشموخ ليقول: إن السودان كان وسيبقى سيد قراره، لا يوهنه الحصار ولا تنكسر إرادته عند عتبات الإملاءات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى