د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… سيارات الصين الكهربائية تغرق الأسواق الأوروبية… أين نحن… من أزمة الوقود إلى عصر الكهرباء… هل نملك الشجاعة لاتخاذ القرار؟!!

تواجه صناعة السيارات الأوروبية تحدياً حقيقياً مع التوسع المتسارع للسيارات الكهربائية الصينية التي دخلت الأسواق الأوروبية بجودة عالية وأسعار تنافسية، واضعةً كبرى الشركات في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها أمام اختبار صعب لم تعهده من قبل.
المنافسة الصينية لم تعد مجرد تحدٍ عابر، بل أصبحت واقعاً يفرض نفسه على مستقبل صناعة السيارات العالمية، ويدفع الشركات الأوروبية إلى مراجعة حساباتها، وإعادة هيكلة مصانعها، والبحث عن شراكات جديدة لمواجهة هذا المد المتصاعد.
إنها معركة التكنولوجيا والأسعار، ومن يتأخر عن مواكبة المستقبل قد يجد نفسه خارج المنافسة.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في السودان:
أين نحن من هذه التحولات الكبرى؟
نحن الذين نعاني أزمات الوقود بمختلف أنواعه، ونقف في طوابير طويلة أمام محطات الخدمة، بينما تتعطل حركة النقل والتجارة والزراعة، وتتضاعف تكاليف المعيشة والإنتاج بسبب الاعتماد الكبير على الوقود المستورد واستنزاف العملات الأجنبية.
أليس من الأجدى أن نبحث عن حلول جذرية لهذه الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارتها كلما اشتدت؟
أليس من الحكمة أن نتجه إلى الشركات الصينية، التي أصبحت لاعباً رئيسياً في صناعة السيارات الكهربائية، ونبحث معها عن شراكة استراتيجية تنقل السودان تدريجياً من اقتصاد الوقود المكلف إلى اقتصاد الطاقة الكهربائية؟
لماذا لا نبدأ بشراكة ذكية؟
شراكة لا تقتصر على استيراد السيارات وبيعها، بل تقوم على رؤية متكاملة تشمل إدخال السيارات الكهربائية، وإنشاء محطات الشحن، وتدريب الكوادر السودانية، وتأسيس مراكز الصيانة، ثم الانتقال تدريجياً إلى تجميع السيارات محلياً متى توافرت الجدوى الاقتصادية والبنية التحتية اللازمة.
ويمكن أن تبدأ التجربة بأسطول المركبات الحكومية وسيارات النقل العام، مع إعطاء الأولوية للمركبات الأكثر استهلاكاً للوقود، على أن تتوسع التجربة وفق نتائج عملية قابلة للقياس.
إن السودان، بما يملكه من إمكانات في الطاقة الشمسية، يستطيع أن يجعل هذا التحول جزءاً من مشروع أوسع لتقليل فاتورة الوقود، وتخفيف الضغط على العملات الأجنبية، وخفض تكاليف النقل، وخلق فرص عمل جديدة.
وبالطبع، فإن هذا التحول يحتاج إلى تخطيط واقعي يراعي استقرار الكهرباء، وتكلفة إنشاء محطات الشحن، وأسعار السيارات والبطاريات، وقدرات المواطنين الشرائية. لكن هذه التحديات ليست مبرراً للجمود، بل أسباب تدعونا إلى التخطيط والبدء المدروس.
أوروبا، بكل ما تملكه من شركات عريقة وإمكانات اقتصادية وتكنولوجية ضخمة، تعيد حساباتها لمواجهة المنافسة الصينية. أما نحن، فما زلنا ندور في حلقة أزمات الوقود وشح العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
إنها مسألة إرادة ورؤية قبل أن تكون مسألة إمكانات.
لسنا مطالبين بالقفز إلى المستقبل دفعة واحدة، ولكننا مطالبون بأن نبدأ اليوم، وأن نضع خطة واضحة للتحول التدريجي، بأهداف محددة ومؤشرات أداء تقيس ما نوفره من وقود وعملة صعبة، وما نحققه من خفض في تكاليف التشغيل.
فهل تتحرك الحكومة والقطاع الخاص لدراسة هذه الفرصة، وفتح باب التفاوض مع الشركات الصينية لبناء شراكة تخدم مصالح السودان؟
إن استمرار أزمات الوقود ليس قدراً محتوماً، والتأخر عن التحولات العالمية قد يجعلنا ندفع أثماناً أكبر غداً.
فلنتخذ القرارات الشجاعة، ولنحوّل أزمة الوقود إلى فرصة للتغيير، ولنبدأ بشراكة استراتيجية مع الصين تضع السودان على الطريق الصحيح نحو مستقبل أقل كلفة وأكثر استدامة.



