مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… يا وزير الزراعة… هل جربت أن تعيش على الفول؟.. حظر الفول المصري… قرار خطأ في الزمن الخطأ!!

لا أدري من الذي أشار على وزير الزراعة، أو مجلس الوزراء، بحظر استيراد الفول المصري، ولا أدري هل جلس أحد منهم قبل إصدار القرار ليسأل سؤالاً بسيطاً جداً:

 

ماذا يأكل المواطن السوداني؟

 

فالفول بالنسبة لملايين السودانيين ليس سلعة ترفيهية ولا وجبة إضافية يمكن الاستغناء عنها. إنه الغذاء الأساسي، وربما الوجبة الوحيدة لدى بعض الأسر طوال اليوم.

 

فهل يعرف أصحاب القرار ذلك؟

 

وهل يفطر أعضاء مجلس الوزراء وأسرهم بالفول مثل غالبية الشعب السوداني، أم أن القرارات تُتخذ من مكاتب مكيفة بعيداً عن أسعار الأسواق ومعاناة المواطن؟

 

دعونا نتحدث بالأرقام، لا بالعواطف.

 

في عام 2025، وهو العام الذي شهد أعلى استيراد للفول المصري، بلغ حجم الاستيراد نحو 1,300 طن، بتكلفة لم تتجاوز حوالي 4 ملايين دولار.

 

أربعة ملايين دولار!

 

بينما فاتورة استيراد القمح تتراوح بين 500 و700 مليون دولار سنوياً.

 

فأين المعركة الحقيقية يا سادة؟

 

هل هي معركة الفول الذي لا تتجاوز فاتورته بضعة ملايين من الدولارات، أم معركة القمح الذي يستنزف مئات الملايين من العملة الصعبة؟

 

لقد بح صوتنا ونحن نقول إن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، وأن تسهر الحكومة الليالي من أجل استصلاح الأراضي، وتوفير التقاوي والأسمدة والتمويل والري، ورفع إنتاجية الفدان، حتى نتوقف عن دفع مئات الملايين لاستيراد غذائنا الأساسي.

 

لكن يبدو أن الحكومة اختارت المعركة الأسهل والأرخص سياسياً.

 

حظرت الفول!

 

وماذا حدث بعد القرار؟

 

ارتفعت الأسعار.

 

لماذا؟

 

لأن الحكومة أغلقت باب المنافسة وتركت السوق في أيدي التجار.

 

فارتفع سعر جوال الفول إلى نحو ثلاثة أضعاف!

 

وهنا تظهر الحقيقة التي لا يريد أحد مواجهتها:

 

الحكومة لا تملك السيطرة على السوق.

 

رأينا ذلك في أزمة الوقود، ونراه الآن في الفول.

 

والمواطن هو الذي يدفع الفاتورة في الحالتين.

 

فإذا كان القرار الحكومي يمنع السلعة، ولا يوفر البديل، ولا يضبط الأسعار، ولا يحمي المستهلك، فما الذي حققه القرار بالضبط؟

 

هل وفر دولاراً مهماً للخزينة؟

 

لا.

 

هل حقق وفرة غذائية للمواطن؟

 

لا.

 

هل خفض الأسعار؟

 

بالعكس.

 

إذن من المستفيد؟

 

تجار الأزمات!

 

وهذه هي المفارقة المؤلمة: الحكومة التي تريد حماية الاقتصاد من الاستيراد، انتهت بقرارها إلى منح فئة من التجار فرصة لرفع الأسعار على المواطن الذي يفترض أن تحميه.

 

يا وزير الزراعة…

 

الزراعة ليست إصدار قرارات من المكاتب.

 

الزراعة هي أن تعرف ماذا يأكل الناس، وماذا يزرعون، وماذا يشترون، وكم يدفعون، وكيف يعيش المزارع والمستهلك معاً.

 

لذلك أنصحك بتجربة بسيطة جداً، ولا تحتاج إلى لجنة ولا اجتماع ولا تقرير:

 

انزل إلى الشارع.

 

اذهب إلى أقرب مطعم شعبي، واجلس وسط المواطنين، واسألهم عن سعر طبق الفول، وعن عدد الوجبات التي يستطيعون شراءها، واسأل رب الأسرة كيف يدبر يومه في ظل هذه الأسعار.

 

وربما يكون السؤال الأهم:

 

هل كان حظر الفول هو القرار الذي ينتظره المواطن من وزير الزراعة؟

 

يا سعادة الوزير…

 

إذا أردتم حماية الزراعة السودانية، فاحموا المزارع.

 

إذا أردتم توفير العملة الصعبة، فأوقفوا نزيف القمح.

 

إذا أردتم خفض الأسعار، فافتحوا المنافسة واضبطوا الأسواق.

 

أما أن تمنعوا سلعة غذائية أساسية، ثم تتركون المواطن فريسة للسوق، فهذا ليس علاجاً للأزمة.

 

هذا نقل للأزمة من الحكومة إلى مائدة المواطن.

 

ولهذا فإن إعادة النظر في قرار حظر الفول المصري ليست تراجعاً عن حماية الاقتصاد، وإنما تصحيح لقرار خاطئ قبل أن يتحول إلى أزمة غذائية جديدة.

 

اتركوا الفول في حاله…

 

واذهبوا إلى القمح.

 

فهناك المعركة الحقيقية.

 

هناك مئات الملايين من الدولارات التي يمكن توفيرها.

 

وهناك أرض سودانية تنتظر من يزرعها.

 

وهناك مزارع ينتظر من يدعمه.

 

أما الفول…

 

فدعوا المواطن يأكله بسلام.

 

ويا وزير الزراعة، إن قررت الذهاب إلى أقرب مطعم شعبي لتسأل الناس عن الفول، فاذهب وحدك…

 

ولكن أسأل الله أن تعود سالماً!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى