د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… سودانير… يديكم العافية… الناقل الوطني الذي يستحق أن يحلّق من جديد!!

تبقى للخطوط الجوية السودانية «سودانير» مكانة خاصة في قلوب الشعب السوداني، فهي ليست مجرد شركة طيران تنقل المسافرين من مكان إلى آخر، وإنما جزء من ذاكرة الوطن، ورمز من رموز عزته، وواحدة من مؤسساته التي طالما رفعت اسمه عالياً في سماء العالم.
هذه هي سودانير التي عرفناها في أوج مجدها، حاضرة في سفريات المسؤولين، وسبّاقة في إغاثة المنكوبين، وفاعلة في ربط السودان بمحيطه الإقليمي والدولي. إنها سفريات الشمس المشرقة، التي نتمنى ألا تغيب شمسها أبداً.
وكما أصابت سحابة التدهور مؤسسات وطنية عريقة، مثل السكة الحديد والنقل البحري والنهري، لم تكن سودانير بمنأى عن ذلك التراجع الذي أفقد الدولة كثيراً من أصولها ومقدراتها. ولا أريد هنا تقليب المواجع، فالماضي نعرفه جميعاً، وما يعنينا اليوم هو المستقبل، وكيف نستعيد ما فقدناه.
سودانير ليست مجرد ناقل جوي، بل هي مشروع اقتصادي وطني قادر على الإسهام في إيرادات الدولة، وخلق فرص العمل، وتنشيط السياحة والتجارة، وربط السودان بالعالم. وإذا أحسنت الدولة إدارتها، ووفرت لها مقومات النهوض، فإنها تستطيع أن تتحول من مؤسسة تكافح من أجل البقاء إلى أصل اقتصادي منتج يرفد خزينة الدولة.
وقد أتيحت لي مؤخراً فرصة السفر على متن سودانير من القاهرة إلى بورتسودان، ثم من بورتسودان إلى الخرطوم. وكانت تجربتي الشخصية باعثاً على التفاؤل؛ فقد وجدت الترحاب والانضباط وحسن التعامل والاستعداد للمساعدة.
وهنا أقول للعاملين في سودانير: يديكم العافية، فقد أثبتم أن روح المؤسسة الوطنية لا تزال حية، وأن وراء هذا الاسم العريق رجالاً ونساءً يستحقون التقدير، ويستحقون أن يجدوا من الدولة الدعم الذي يعينهم على أداء رسالتهم.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس مجرد الإشادة بتاريخ سودانير، وإنما اتخاذ خطوات عملية لإعادة بنائها، وتحديث أسطولها، وتحسين خدماتها، وتوسيع وجهاتها، وإدارة مواردها بعقلية اقتصادية حديثة، مع إخضاع أدائها لمعايير واضحة تقيس الإيرادات والتكاليف وجودة الخدمة ورضا المسافرين.
إن نهضة السودان لن تتحقق باستعادة الذكريات وحدها، بل بإحياء مؤسساته الوطنية وتحويلها إلى أدوات حقيقية للإنتاج والتنمية.
سودانير تستحق أن تلتفت إليها الدولة، وأن تضعها ضمن أولويات إعادة بناء الاقتصاد الوطني.
فحين تحلّق سودانير، لا تحلّق طائرة فحسب، بل تحلّق معها آمال شعب يتطلع إلى تجاوز كبوته، واستعادة مؤسساته، وبناء مستقبل أفضل لأجياله القادمة.
سودانير… يا رفيقة الدرب والذكريات، دمتِ للسودان، ودامت شمسك مشرقة، وحلّقتِ من جديد في سماء المجد والتقدم.
سودانير… يديكم العافية!



