مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… البرهان في صناعية بحري… أين الخلل؟

اعتاد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن يقوم بزيارات مفاجئة إلى مواقع مختلفة، بعيدًا عن الترتيبات والبروتوكولات المعتادة.

 

وكانت صناعية بحري هذه المرة واحدة من تلك المواقع.

 

لكن ما حدث هناك لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الزيارة، لأن الزيارة كشفت خللًا أكبر من مجرد مشكلة كهرباء، وفتحت بابًا واسعًا من الأسئلة حول كيف تدار الدولة وكيف تتم متابعة الملفات؟

 

جلس البرهان تحت شجرة يحتسي الشاي، والتف حوله عدد من العاملين وأصحاب المصانع، وسألهم عن أحوالهم.

 

فجاءته المفاجأة:

 

420 مصنعًا متوقفة بسبب الكهرباء!

 

نعم، 420 مصنعًا!

 

وراء هذا الرقم آلاف العاملين والأسر، وسلاسل من التجار والناقلين والموردين، ومنتجات تصل في النهاية إلى المواطن.

 

فهل يعقل أن تتوقف 420 منشأة صناعية، ولا تتحرك كل أجهزة الدولة المعنية إلا عندما يصل رئيس مجلس السيادة إليها صدفة؟

 

هنا أصل الحكاية.

 

استُدعي مسؤولو الكهرباء، واستمع الرئيس إلى ما لديهم، ثم طرح السؤال البسيط الذي كان ينبغي أن يُطرح قبل ذلك بكثير:

 

كم تحتاجون من المال حتى تعود هذه المصانع إلى العمل؟

 

وكانت المفاجأة الأكبر.

 

المبلغ المطلوب أصبح في حساب شركة الكهرباء في صباح اليوم التالي، مع توجيه بإنجاز المهمة خلال أسبوع، بدلًا من الشهر الذي اقترحه مسؤول الكهرباء.

 

وهنا، بصراحة، لا بد أن نسأل:

 

إذا كان الحل يحتاج إلى مبلغ محدد، والمبلغ أمكن توفيره بهذه السرعة، فلماذا ظلت 420 مصنعًا متوقفة أصلًا؟

 

وإذا كان بالإمكان إنجاز المهمة في أسبوع، فلماذا كان التقدير الأول شهرًا كاملًا؟

 

ومن المسؤول عن تقدير الشهر؟

 

ومن المسؤول عن متابعة التنفيذ؟

 

وهل كان المطلوب فعلًا زيارة مفاجئة من رئيس مجلس السيادة حتى نكتشف هذه الكارثة الصناعية؟

 

أين وزارة الصناعة؟

 

أين إدارة الكهرباء؟

 

أين التقارير الدورية؟

 

أين غرفة المتابعة؟

 

وأين رئيس الوزراء من ملف بهذا الحجم؟

 

وهل سبق أن زار مسؤولون هذه المصانع ورفعوا تقارير عن توقفها؟ وإذا كانت التقارير قد رُفعت، فأين ذهبت؟ ومن أوقفها في الأدراج؟

 

وإذا لم تكن هناك تقارير أصلًا، فالمصيبة أكبر.

 

لأننا نتحدث عن 420 مصنعًا، وليس عن ورشة صغيرة توقفت ليوم أو يومين.

 

هذه ليست مشكلة فردية.

 

هذه قضية إنتاج واقتصاد ووظائف واستيراد وعملة أجنبية.

 

كل يوم يتوقف فيه مصنع يعني إنتاجًا ضائعًا، وفرص عمل ضائعة، وسوقًا تملؤه السلع المستوردة، وضغطًا إضافيًا على الدولار.

 

والأكثر إثارة للاستغراب أن الدولة استطاعت أن تتحرك عندما وصلت المعلومة مباشرة إلى رئيس مجلس السيادة.

 

وهذا يعني أن المشكلة ربما لم تكن في المال وحده، وإنما في وصول المعلومة، وسرعة القرار، ومتابعة التنفيذ.

 

وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة:

 

الدولة التي تحتاج إلى زيارة مفاجئة من أعلى مسؤول فيها لكي تعرف أن 420 مصنعًا متوقف، لديها خلل في منظومة المتابعة.

 

والدولة التي تستطيع حل المشكلة في أسبوع بعد تدخل الرئيس، بينما كانت الخطة قبل ذلك شهرًا، عليها أن تسأل نفسها: لماذا؟

 

هل نحن أمام بيروقراطية بطيئة؟

 

أم ضعف في التنسيق؟

 

أم غياب للمساءلة؟

 

أم أن المسؤولين ينتظرون وصول المشكلة إلى مكتب الرئيس حتى تتحول من ملف مؤجل إلى أمر واجب التنفيذ؟

 

لا نريد إجابات إنشائية.

 

نريد كشفًا واضحًا عن هذه المصانع: عددها، أسباب توقفها، المبالغ المطلوبة لإعادة تشغيلها، الجهات المسؤولة، وما تم إنجازه منها حتى الآن.

 

ثم نريد أن نعرف: من كان يعلم؟ ومتى علم؟ وماذا فعل؟

 

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح بعد الزيارة.

 

فالاقتصاد السوداني لا يحتمل المزيد من المصانع المتوقفة، ولا يحتمل أن تكون الحلول رهينة بالمصادفات والزيارات المفاجئة.

 

نحن بحاجة إلى دولة تعرف أرقام مصانعها، وإنتاجها، وتوقفها، واحتياجاتها، وتتعامل مع هذه المعلومات قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة.

 

أما أن يكتشف رئيس مجلس السيادة في جلسة شاي تحت شجرة أن 420 مصنعًا متوقفة، ثم يُحل جزء أساسي من المشكلة في صباح اليوم التالي، فهذه ليست قصة نجاح كاملة.

 

بل هي، قبل ذلك، قصة خلل يجب أن نعرف من المسؤول عنه.

 

والسؤال الأخير والأهم:

 

هل سنظل ننتظر زيارة مفاجئة من البرهان إلى كل موقع حتى نكتشف ما يحدث فيه؟

 

إذا كان الأمر كذلك، فربما لا نحتاج فقط إلى إعادة تشغيل المصانع…

 

بل نحتاج أولًا إلى إعادة تشغيل منظومة المتابعة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى