مقالات الظهيرة

السودان وهندسة الإنهاك : تشريح آليات الحرب الناعمة وسيكولوجيا العجز المكتسب!!

دكتور محمد عوض محمد متولي

المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في لحظات التحول التاريخي الكبرى، تصبح البندقية هي العلامة الأقل دقة على وجود الحرب؛ إذ إن أشد الحروب فتكاً هي تلك التي لا يُسمع لها دوي، بل تُخاض ببرود شديد في تفاصيل الحياة اليومية لتستهدف مناعة المجتمع وثقافته قبل جغرافيته وسيادته. إن السودان اليوم يخوض معركتين متوازيتين؛ أولاهما مكشوفة تصنعها المدافع وتُبث على الشاشات، وثانيتهما حرب ناعمة، صامتة، وذكية، تتسلل إلى البيوت، المدارس، الأسواق، والذاكرة الجمعية دون حاجة لبيانات عسكرية. خطورة هذه الحرب أنها لا تسعى لمجرد احتلال الأرض بل لاحتلال الإرادة، ولا تهدف لكسر الجيش بقدر ما تهدف لسحق قدرة المجتمع على النهوض بعد الصراع. ما يشهده السودان ليس مجرد نزاع عابر، بل هو نموذج مخبري مكتمل لما يُعرف في أدبيات الأمن القومي بـ “الإنهاك المنظم للدولة”؛ وهو تكتيك يقوم على تحويل تفاصيل الحياة الطبيعية إلى عبء يومي خانق، حتى يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة انتصاراً مؤقتاً ومستنزِفاً.

​هذا الإنهاك الشامل ليس عفوياً، بل هو أداة تنفيذية لـ “مخطط أساسي” طُبخ في مطابخ الحرب الناعمة قبل الرصاصة الأولى، بهدف كسر عظم الدولة السودانية وتفكيك ظهيرها متمثلاً في القوات المسلحة والمجتمع.

خدمةً لمشاريع إعادة هندسة البحر الأحمر وممرات الطاقة العالمية، عبر خلق فراغ استراتيجي تملؤه شبكات موارد عابرة للحدود تجد في السودان سوقاً مستباحة بلا سيادة. وقد انطلق المخطط مبكراً بتهيئة دبلوماسية وإعلامية ركّزت فور اندلاع القتال على تسويق الصراع للخارج بوصفه مجرد “نزاع داخلي بين جنرالين”، وهي سردية مبرمجة لإخفاء الأبعاد الديموغرافية والجيوسياسية الحقيقية.

​بدأ الاستهداف بأكثر الحلقات حيوية: كتلة الشباب، باعتبارهم عماد التعافي المستقبلي. وتقاطعت التقارير الميدانية الموثقة لتكشف عن عمليات تجنيد ممنهج للقُصّر والشباب عبر استغلال حاجتهم المادية وسط انعدام الأمان، بالتوازي مع ضخ غير مسبوق للمخدرات الفتاكة كـ “الآيس” لتدمير البنية النفسية والذهنية لجيل كامل.

وتكامل هذا التدمير بالضلع الإعلامي عبر آلاف الحسابات المبرمجة لبث الكراهية وفتق النسيج الاجتماعي، مستفيدة من خوارزميات المنصات العالمية التي تضاعف انتشار الخطاب العنصري المفتت بمعدل ستة أضعاف، بينما يُستخدم قطع الإنترنت المتكرر لخنق الرواية الوطنية وإخلاء الساحة للحسابات الخارجية الموجهة، مما يضع الشباب بين خياري الهجرة القسرية أو الانخراط في العنف للبقاء.

​ولم يكن الاقتصاد بمعزل عن هذا التدمير، بل أصيب بـشلل استراتيجي بعد أن فقدت العملة الوطنية أكثر من ثمانين بالمئة من قيمتها، وانهار النظام المصرفي لصالح سوق موازية يتحكم وسطاؤها في مصائر الناس. وتلقى القطاع الإنتاجي ضربة قاضية بالتدمير الممنهج لسلاسل الإمداد، ونهب المشاريع الزراعية الحيوية في الجزيرة، وسنار، والمناقل، وكردفان الكبرى، وتخريب المناطق الصناعية بالخرطوم، مما رفع أسعار السلع الأساسية بأكثر من أربعمئة بالمئة.

في الوقت ذاته، تحولت الحدود الممتدة إلى شرايين مفتوحة لتهريب الذهب والمحاصيل والوقود، مما حرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات الكفيلة بتمويل الاستيراد وتخفيف وطأة الكارثة.

​يتزامن هذا الخنق الاقتصادي مع استهداف تدميري للبنية التحتية ومحطات المياه والكهرباء لإخراجها عن الخدمة وتعطيل المخابز والمستشفيات؛ حيث تؤكد توثيقات منظمة الصحة العالمية خروج أكثر من سبعين بالمئة من المنشآت الطبية في مناطق النزاع عن الخدمة.

يرافقه إغلاق المدارس والجامعات الذي يهدد بنشوء فجوة جيل معرفية كاملة. ويمتد هذا المحو ليتوج باستهداف الرمزية الثقافية عبر تدمير المتاحف والأرشيف القومي بالخرطوم، وهو عمل خبيث يسعى لقطع صلة الأجيال بماضيها ومحو الأدلة القانونية للملكية والحقوق، مما يجعل إعادة بناء الدولة أصعب بكثير من بنائها لأول مرة.

​إن المحصلة التراكمية لهذه المحاور هي صناعة ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “العجز المكتسب” و”موت المستقبل”؛ حيث يُبرمج عقل المواطن على قناعة راسخة بأن لا شيء سيتحسن، فيتوقف عن الاستثمار والمقاومة، ويصاب الأفق الزمني للمجتمع بالشلل ليقبل بأي تسوية تُفرض عليه مهما كانت جائرة. ويهدف هذا “السيناريو الكنتوني” في نهاية المطاف إلى تفكيك الدولة عملياً ومحو السودان القديم.

واستبداله بنموذج شبيه بالصومال سابقاً أو الكونغو حالياً؛ بحيث تفقد الدولة المركزية سيادتها، وتتحول البلاد إلى مربعات أمنية معزولة تديرها مجموعات مرتزقة مسلحة تسيطر على ثروات الذهب لصالح القوى الخارجية، بينما يُقهر المجتمع الأصيل ويُجبر على الانزواء بعد تغيير هويته الديموغرافية والاجتماعية بالكامل.

​أمام هذا التشريع الإستراتيجي، يصبح الانتصار العسكري بلا قيمة إذا خُسرت المعركة الناعمة، مما يفرض على السودانيين وعياً جمعياً يدرك أن العدو ليس في الجبهات وحسب، بل في الإشاعة التي ننشرها، والمخدر الذي نغفُل عنه، والمدرسة التي نتركها مغلقة، والتاريخ الذي نفرط فيه. وحيث إن انتظار الحلول الفوقية قد يطول، فإن بروتوكول الصمود الوطني يجب أن ينطلق فوراً من الأسفل عبر ثلاثة مستويات: أولها صمود الأسرة كبديل معرفي بالتعليم المنزلي وتفعيل التكافل.

وثانيها صمود الحي عبر لجان طوعية تحمي وتصلح محطات المياه والكهرباء.

وثالثها صمود الذاكرة عبر أرشفة رقمية لامركزية للوثائق والملكيات والتاريخ العائلي قبل أن تطاله النيران. إن السودان لن يُهزم بالرصاص وحده، لكنه قد يُهزم باليأس، والمهمة الأقدس الآن هي صناعة الأمل وحماية الوعي، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها ومستقبلها لا تحتاج إلى من يحتلها عسكرياً، بل تسقط وتتلاشى من تلقاء نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى