(أصل القضية) من سلسلة الجسر والمورد…. السودان.. هندسة اللايقين!!

د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
ليست كل أعباء المواطن في ارتفاع الأسعار، وليست كل خسائر الاقتصاد في ندرة الموارد. أحيانًا، يكون العبء الأكبر أن يعجز الإنسان عن توقّع ما ينتظره غدًا، وأن يصبح التخطيط لحياته مغامرة مفتوحة على احتمالات لا يملك التحكم فيها.
في بلد أنهكته الحرب، لم يعد المواطن يبحث عن سلعة يستطيع شراءها أو دخل يكفي أسرته فحسب؛ بل يبحث عن قدر من اليقين يستطيع أن يبني عليه يومه التالي.
فحين يصبح الغد مصدرًا للقلق، لا يعود السؤال كم نملك من الموارد، بل كيف نديرها، وكيف نجعل قرارات اليوم مفهومة وقابلة للتوقّع غدًا. في هذا السياق، تستحق قرارات إلغاء حظر استيراد سلع سبق أن شملها الحظر، إلى جانب عودة المؤسسة السودانية للنفط، أن تُقرأ ضمن سؤال أوسع يتعلق باتساق السياسات الاقتصادية وإدارة المؤسسات.
ليس المقصود أن إلغاء الحظر خطأ بالضرورة، أو أن عودة المؤسسة دليل على خلل؛ فقد يكون التراجع عن قرار تصحيحًا مطلوبًا. لكن السؤال: ما الذي تغيّر؟ ولماذا؟ وكيف نعرف أن القرار الجديد يعالج المشكلة بدلًا من نقلها إلى موضع آخر؟ ، فالدولة التي تتعلم من أخطائها ليست دولة تتشبث بقراراتها، بل دولة تراجعها عند الضرورة، وتشرح أسباب المراجعة، وتقيس نتائجها.
وهنا تظهر، فكرة «هندسة اللايقين»؛ حين تتفاعل القرارات والتحولات المؤسسية فتنتج بيئة يصعب فيها على المواطن والسوق توقّع ما سيحدث، أو فهم القواعد التي ستحكمه. فالقرار المتعلق بالاستيراد لا يبقى داخل الورقة التي صدر بها؛ إنه يتحرك في السوق، ويؤثر في حسابات المستورد والتاجر والمنتج، ثم يصل إلى المستهلك الذي يتحمل جانبًا من التكلفة.
وحين تضطرب القواعد، تضطرب الحسابات، ويتراجع الاستعداد للتخطيط والاستثمار، ويحل الترقب محل المبادرة. وهكذا ينتقل اللايقين من القرار إلى السوق، ومن السوق إلى المجتمع.
لكن الأخطر هو ما قد يفعله ذلك برأس المال الاجتماعي؛ أي رصيد الثقة والتعاون الذي يجعل الناس قادرين على التعامل مع المؤسسات والقواعد العامة. فالمواطن لا يحتاج إلى حياة خالية من الصعوبات، لكنه يحتاج إلى أن يفهم كيف يتصرف داخلها.
> المجتمعات لا تحتاج إلى يقين مطلق، بل إلى مؤسسات تجعل اللايقين قابلًا للإدارة.
وهنا لا يكفي أن ندعو إلى التنسيق والشفافية بل نحتاج إلى آلية عملية تجعل القرار الحكومي قابلًا للتعلّم والمراجعة. وهذا ما أقترح أن تطوره مدرسة الجسر والمورد تحت مفهوم «هندسة اليقين الممكن».
تقوم الفكرة على ربط كل قرار اقتصادي مؤثر بهدف معلن، ومؤشرات تقيس نتائجه، وتقدير لآثاره على السوق والمواطن، وموعد لمراجعة ما تحقق. فإذا ظهرت فجوة بين النتائج المستهدفة والواقع، تُفحص أسبابها، وتُراجع البدائل، ويُشرح للمواطن لماذا استمرت السياسة أو تغيرت.
وبالتوازي، تُرصد إشارات السوق وتكاليف المعيشة وتوقعات الأسر والتجار، لتتحول البيانات المتفرقة إلى إنذار مبكر يسبق تفاقم الأزمة. فلا ينتظر صانع القرار حتى تطول الصفوف، بل يسأل: ما الذي يتغير الآن؟ ومن يتحمل تكلفته؟ وما التدخل الذي يمنع انتقال الضرر إلى مجال آخر؟
بهذا لا يصبح تغيير القرار مصدرًا للمفاجأة، بل جزءًا من نظام معلن للتعلّم والتكيّف.
وهنا نقدم مقترح رؤية الجسر والمورد وهو ألا نكتفي باحتواء الأزمة، بل نحوّلها إلى مورد من المعرفة والقدرة المؤسسية. فإذا كشفت أزمة الاستيراد ضعفًا في المعلومات، نطوّر أدوات الرصد؛ وإذا كشفت تضاربًا في الاختصاصات، نبني آلية للتنسيق؛ وإذا أظهرت أن القرارات لا تقيس أثرها على الأسر، نجعل الأثر المعيشي معيارًا في تقييمها.
وهكذا تنتقل الدولة من رد الفعل إلى الاستباق، ومن تكرار التجربة إلى التعلّم منها، ومن استنزاف الثقة إلى إعادة بنائها.
فالحرب تفسر جانبًا كبيرًا من اختناقات السودان، لكنها لا تعفينا من التمييز بين ما تفرضه ظروفها وما يمكن إصلاحه في إدارة السياسات. بل إن محدودية الموارد تجعل هذا التمييز أكثر ضرورة؛ لأن تكلفة القرار غير المدروس لا تقف عند السوق، بل قد تمتد إلى قدرة المجتمع على الاحتمال والتعاون والتخطيط للمستقبل.
> إن السودان لا يحتاج إلى وعد بيقين لا يملكه أحد، بل إلى مؤسسات تقلل الغموض الذي يمكن تجنبه، وتكشف المخاطر قبل تفاقمها، وتتعلم من نتائج قراراتها.
فأخطر ما قد تخسره الدولة ليس موردًا اقتصاديًا فحسب، بل قدرة المجتمع على تصديق أن الغد يمكن التخطيط له. وهنا يصبح السؤال هل نكتفي بإدارة أزمات السودان كلما وقعت، أم نبني من كل أزمة قدرةً تقلل احتمال تكرارها؟ ، ذلك هو الجسر الذي نحتاج إلى عبوره من اللايقين إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى القرار الرشيد، ومن الأزمة إلى المورد.



