ياسر محمد محمود البشر يكتب…. كــلـب اللُقــاط.. عواء اللؤم فى ساحات الكرم!!
*فى الموروث الشعبى السودانى تظل الأمثال هى المرآة الأصدق التى تعكس قيم المجتمع نبله وحتى تشوهاته النفسية التى تفرزها المواقف ومن بين تلك الأمثال الممعنة فى الوصف والدلالة يبرز مثل (كلب اللُقاط) ليُضرب خصيصاً في لؤم الطبع وجحود المعروف وضيق الأفق.
*واللُقاط تاريخياً هم العمال الذين كان يتم جلبهم من مناطق كردفان فى مواسم حصاد الذهب الأبيض بجزيرة الخير والنماء مشروع الجزيرة كانت رحلة القطار أو اللورى تجمعهم بكل تفاصيل حياتهم حيث يُشحنون مع مواشيهم، قططهم وكلابهم في عربات نقل مخصصة والمفارقة العجيبة التي خلّدت هذا المثل هي أن كلب اللُقاط ورغم أنه مستضاف في هذه الرحلة كحال أصحابه يظل ينبح طوال الطريق على مساعد اللورى وهو الشخص الأساسى الذي يسهر على راحتهم ويقودهم نحو كسب عيشهم إنه عواء الجحود في وجه اليد التى تمتد بالخير*.
*قفز هذا المثل إلى ذهني وأنا أسترجع واقعة سياسية واجتماعية جرت فصولها في الفترة التي تلت عام ٢٠١٨ م وهي فترة اتسمت بالسيولة السياسية وشحن النفوس بدأت القصة حين فتح رجل الأعمال المعروف أبوالقاسم برطم أبواب منزله العامر مضيفاً وفداً رفيع المستوى من ولاية سنار بقيادة والي الولاية آنذاك*.
*لم يكن وفداً عادياً بل كان يضم قامات من قيادات الإدارة الأهلية التي تمثل حكمة السودان ورزانته أذكر منهم سلطان مايرنو والناظر الفاضل الفودة والطيب أحمد يوسف والناظر فضل المرجى عليه رحمة الله والناظر صلاح منصور العجب والأستاذ خالد محمد عبد الباقى بالإضافة إلى مدير مكتب الوالى*
*اجتمع هؤلاء الرجال على مائدة واحدة فى صالون رجل فتح بيته ومجلسه إكراماً لسنار وأهلها وقبل أن تُمد الأيادى لتناول وجبة العشاء دار نقاش عفوى حول الراهن السياسة المقيت في تلك الفترة تطرق الحديث إلى الانحراف الإدارى والقانوني الذى شاب عمل لجنة إزالة التمكين وكيف تحولت ثورة الشباب النظيفة إلى غنيمة باردة سرقت مجهودها الأحزاب السياسية الضيقة*.
*أبدى صاحب الدار أبو القاسم برطم رأيه كسودانى غيور وكرجل سياسة وأعمال وهو حق مكفول له لا سيما وأنه يتحدث فى بيته وسط ضيوفه لكن ويا للعجب لم يحتمل مدير مكتب الوالي هذا الرأى وبدلاً من مقارعة الحجة بالحجة أو الالتزام بأدب الضيافة واحترام حرمة المنازل التى جُبل عليها أهل السودان استشاط الرجل غضباً*.
*لم يكتفِ بالغضب بل كال سيلاً من الألفاظ الجارحة والاتهامات لسيد الدار في مشهد صدم كل الحضور وأطاح بوقار الجلسة ولم تقف حدود السقوط عند هذا الحد بل خرج مغاضباً ورافضاً لتناول العشاء فى سلوك يضرب بعرض الحائط كل قيم الرجالة والشهامة السودانية التى تعيب على الرجل أن يرفض الملح والملاح أو يسيء لمضيفه*.
*إن قلة الحيلة السياسية عندما تمتزج بضيق الأفق الأخلاقى تنتج سلوكاً هجيناً يستنكره العُرف وتلفظه المروءة*
*ولولا حكمة الطيب أحمد يوسف الذي تدارك الموقف بمسؤولية الكبار وخرج خلفه يعيده من الشارع حشمةً للوفد والوالى لكانت القصة وصمة أكبر في جبين ذلك الوفد بسبب تصرف طائش من موظف لم يقدر قيمة المقامات*
*إن ما فعله مدير مكتب والى سنار في تلك الليلة هو تجسيد حى وعصرى لسلوك كلب اللُقاط فالرجل الذى جيء به فى معية الكبار ليكون منعمًا بضيافة كرم حاتمي ترك القضية الأساسية وترك وقار السلاطين والنظار وتفرغ لينبح في وجه صاحب الدار الذى استضافه*.
*هذه الحادثة تلخص أزمة النخبة التي تصدرت المشهد بعد ٢٠١٨ نخب استبدلت الحوار بالصراخ وأدب المجالس بالاستعلاء والتطاول وجحدت كرم وتسامح المجتمع السوداني لصالح أجندات حزبوية ضيقة رحم الله الناظر فضل المرجى، وحفظ الله رجالات الإدارة الأهلية الذين يمثلون الحكمة ويبقى الدرس الخالد من لا يحترم حرمة البيوت وأدب الضيافة لا يمكنه أن يقود دولة أو يدير أمة*.
yassir.Mohammed@gmail.com



