(حديثكم) مرتضى أحمد الخليفة يكتب… سموم الذهب والموت البطيء… ما بين الباوقة و المناصير بضفتي النيل الشرقية والغربية
والله لا أعرف لماذا هذا الصمت الكبير تجاه تلك المناطق التي أصبحت في كثير من أجزائها غير صالحة للحياة الآمنة للإنسان.
فالأمر لم يعد مجرد حديث عابر عن التعدين التقليدي، بل تحول إلى كارثة بيئية وصحية حقيقية تهدد الإنسان والحيوان والزراعة ومصادر المياه على امتداد المنطقة ما بين الباوقة وحتى المناصير شرقاً وغرباً.
لقد تمددت مخلفات التعدين بصورة مخيفة، وانتشرت المواد السامة مثل السيانيد والزئبق وغيرها من المواد المستخدمة في استخلاص الذهب، دون رقابة صارمة أو اشتراطات بيئية حقيقية تحفظ حياة المواطنين.
ومع هذا الانتشار بدأت تظهر أمراض لم تكن بهذه الكثافة من قبل؛ حالات متزايدة من أمراض الكبد، والفشل الكلوي، والإجهاض وسط النساء، إضافة إلى التشوهات الخلقية التي باتت تثير الرعب داخل الأسر، حتى أصبح الناس يتداولون بحزن أن من بين كل عشرة أطفال هناك أكثر من حالة تعاني من تشوه خلقي أو مشكلات صحية معقدة.
ولم تتوقف المأساة عند الإنسان وحده، بل امتدت إلى نفوق الماشية والطيور وتلوث التربة والمياه، لأن هذه السموم لا تختفي، وإنما تتسرب عبر مجاري السيول والأودية إلى النيل ومصادر الشرب والزراعة. والأسوأ من ذلك أن بعض مخلفات التعدين تُترك مكشوفة في العراء، تختلط بالأمطار والرياح، فتنتقل آثارها القاتلة إلى القرى والمزارع ومصادر المياه بصورة مباشرة.
إن ما يحدث اليوم في مناطق التعدين يحتاج إلى وقفة حقيقية من الدولة والجهات الصحية والبيئية، فالقضية لم تعد قضية إنتاج ذهب أو زيادة دخل، وإنما قضية حياة أو موت. لا يمكن أن يصبح الإنسان ثمناً للذهب، ولا أن تتحول القرى الآمنة إلى بؤر للأمراض والموت البطيء.
المطلوب الآن ليس البيانات والخطب، بل التحرك العاجل لإجراء دراسات ميدانية شفافة، وفحص المياه والتربة، وإبعاد مصانع المعالجة عن المناطق السكنية والزراعية، وتشديد الرقابة على استخدام السيانيد والزئبق، وتوفير مراكز صحية متخصصة لمتابعة آثار التلوث على المواطنين.
فالذهب مهما بلغت قيمته لن يكون أغلى من صحة الإنسان، ولن يكون أثمن من حياة طفل يولد سليماً معافى في أرضه وبين أهله وفي المقال القادم بإذن الله تعالى نتطرق الي مشاكل التعدين وتاثيراتها علي الشباب بسبب انتشار المخدرات كونو مع الحديث،،



