علاء الدين محمد ابكر يكتب…. الذكاء الاصطناعي والصور… بين البرودة والحياة
الصورة الملتقطة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا روح فيها. باردة، ملساء، مصقولة إلى حدٍّ يوحي بالكمال، لكنها لا تنبض بالمشاعر. تقف أمامها فلا تجد فيها عرقاً، ولا غبار طريق، ولا ارتعاشة يد المصور لحظة انقضاضه على اللحظة قبل أن تفلت. هي صورة مصنوعة، لا مولودة.
على النقيض، الصورة الفوتوغرافية تضج بروح المكان. فيها تفاصيل الزمان الذي التُقطت فيه، وصدى اللحظة التي لن تعود. قد تكون مائلة، قد يشوبها ضباب، قد يظهر فيها ظلٌّ غير مقصود، لكن هذه العيوب ذاتها هي التي تمنحها الحياة. هي شهادة عيان، لا اختراع خيال.
ما يميز الصورة الحقيقية أنها تحمل أثر الإنسان والزمن. تجاعيد وجه عجوز التقطت في سوق شعبي، ظل شجرة مائل على جدار قديم، بقعة ضوء تسللت من نافذة مكسورة… كلها تفاصيل صغيرة لا يخطط لها أحد، لكنها تروي قصة.
أما صورة الذكاء الاصطناعي فتولد في بيئة معقمة. الوجوه فيها متناسقة أكثر من اللازم، الإضاءة مثالية، الألوان متوازنة، ولا شيء خارج عن السيطرة. هذا الكمال نفسه يتحول إلى عيب، لأنه يلغي الإحساس بالواقع. نشعر أننا أمام مشهد من فيلم كرتون فائق الدقة، جميل لكنه ميت.
أشعر بالتقز كلما شهدت صورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي. ليس كرهاً للتقنية نفسها، فالتقنية أداة يمكن أن تخدم الفن والعلم، لكنني أجد في هذه الصور اغتيالاً للعرضية الجميلة التي تصنعها الصدفة.
الذكاء الاصطناعي يحاكي، يركّب، ينسج من مليارات الصور السابقة صورة جديدة. لكنه لا يعرف رائحة المطر على التراب، ولا يرتجف برداً في فجر شتوي، ولا يبتسم لطفلٍ عابر التقطه بالصدفة. هو يعيد إنتاج ما رآه، لا ما عاشه.
وصدق الشاعر حين قال:
_يصنع الصانعون ورداً، ولكن روضة الحقل لا تضاهي شكلاً_
البيت يلخص المفارقة كلها. الصانع ماهر، يستطيع أن يصنع وردة لا يشوبها عيب، لكنها تظل بلا عطر، بلا حشرات تحوم حولها، بلا مطر يبللها. هي شكل بلا جوهر.
حتى اللوحات المرسومة باليد، رغم أنها من صنع الخيال، تجد فيها بعض الرحيق. لأن يد الرسام ارتعشت، ولأن لونه سال خارج الخط أحياناً، ولأن الوقت الذي استغرقه في الرسم ترك أثراً من روحه على القماش. هناك أثر بشري، تعب، انتظار، خطأ، وتصحيح. أما صورة الذكاء الاصطناعي فتولد كاملة في ثوانٍ، بلا تعب، بلا انتظار، بلا حكاية.
الفرق بينهما كالفرق بين زهرةٍ نبتت في البرية وأخرى صُنعت من البلاستيك. الأولى تذبل، لكنها عاشت. والثانية تبقى لامعة، لكنها لم تعرف يوماً معنى الحياة.
الصورة الفوتوغرافية هي ذاكرة. صورة جدك وهو جالس أمام دكانه، صورة شارعك قبل أن يُهدَم، صورة مطر أول يوم في الخريف. كلها تحمل زمناً لا يمكن استرجاعه.
أما صورة الذكاء الاصطناعي فلا تملك ماضياً. يمكنها أن تخلق مشهداً لطفل يلعب في سوق الخرطوم عام 1950، لكنه مشهد مزيف من جذوره. لا أحد عاشه، لا أحد بكى فيه، لا أحد ضحك فيه. هو خيال بلا جذور.
ربما سيأتي زمن تُتقن فيه الصور المصنعة خداع العين، لكنها ستظل عاجزة عن خداع القلب. لأن القلب لا يصدق إلا ما مرّ بتجربة حقيقية، وما خرج من رحم لحظةٍ لا تتكرر.
الذكاء الاصطناعي قد يصنع لنا صوراً مبهرة، قد يملأ بها المعارض والمواقع، لكنه لن يصنع لنا ذاكرة. والفن، في النهاية، ليس مباهاة بالشكل، بل قدرة على إيقاظ الشعور.
وحين نبحث عن الشعور، نعود دائماً إلى الصورة التي التُقطت في لحظة حقيقية، بيدٍ مرتعشة، وعينٍ تبكي، وقلبٍ يعرف أن هذه اللحظة لن تعود.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



