مقالات الظهيرة

سلمي امين : حين تصبح الكلمة خط الدفاع الأول!!

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالبندقية وحدها، فهناك معارك أكثر خطورة تُدار في الخفاء عبر الشائعة، وتزييف الوعي، وخطاب الكراهية، وتمزيق المجتمعات من الداخل. وفي ظل ما يمر به السودان اليوم، تبدو ولاية الجزيرة وكأنها تحاول أن تضع يدها على جوهر الأزمة الحقيقي: معركة الوعي.

فالملتقيات والمنتديات التي شهدتها ودمدني خلال الأيام الماضية لم تكن مجرد مناسبات بروتوكولية أو أحاديث موسمية تُقال ثم تنتهي بانتهاء الجلسات، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الإعلام أصبح جزءاً أساسياً من معركة حماية الوطن، وأن الكلمة باتت قادرة على حماية المجتمع كما يمكنها أن تدفعه نحو الفوضى والانقسام.

ملتقى الإعلاميين الأول الذي نظمته وزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة بالتعاون مع كتيبة الشهيد علاء الدين علي محمد الإعلامية المساندة للقوات المسلحة، تحت شعار (إعلام واعٍ لوطن آمن)، جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه البلاد سيولاً من الشائعات وحملات الاستهداف الممنهجة التي تستهدف ضرب الثقة بين الناس قبل استهداف مؤسسات الدولة نفسها.

ولذلك لم يكن حديث والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير عن توحيد الخطاب الإعلامي ورتق النسيج الاجتماعي حديثاً عادياً، بل قراءة دقيقة لواقع بالغ التعقيد. فالدول لا تسقط فقط تحت وقع الرصاص، وإنما تنهار أيضاً حين تتحول منصاتها الإعلامية إلى ساحات للتخوين والكراهية وتبادل الاتهامات.

اللافت في هذه الفعاليات أنها لم تتوقف عند الشعارات التقليدية، بل ناقشت قضايا أكثر حداثة وعمقاً، مثل الذكاء الاصطناعي، والتحولات الرقمية، والمسؤولية المجتمعية للمؤسسات الإعلامية، وهو ما يعكس وعياً متقدماً بأن الإعلام السوداني لا يمكنه مواجهة تحديات العصر بأدوات الأمس.

كما جاء منتدى الإعلام السوداني بكلية الإعلام بجامعة الجزيرة تحت شعار (إعلام السودان… نبض الأمة وذاكرة الوطن) ليؤكد أن الجامعات ليست مؤسسات معزولة عن قضايا المجتمع، بل شريك أساسي في صناعة الوعي الوطني وإعادة تعريف دور الإعلام في هذه المرحلة الحرجة.

حديث عميد الكلية عن تأسيس منصة مستدامة للحوار الإعلامي، وإشادة وزارة الثقافة والإعلام بالدور الذي تقوم به جامعة الجزيرة، يعكسان إدراكاً متزايداً بأن السودان في أمسّ الحاجة إلى إعلام مهني ومسؤول، لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز الوعي الجمعي ودعم جهود بناء الدولة.

إن أخطر ما تواجهه الشعوب في أوقات الأزمات ليس الحرب وحدها، بل فقدان البوصلة الفكرية وتآكل الثقة داخل المجتمع. لذلك فإن السودان اليوم بحاجة إلى إعلام يطفئ الحرائق لا يزيدها اشتعالاً، إعلام ينتصر للحقيقة لا للشائعة، وللوطن لا للاستقطاب.
فالكلمة لم تعد مجرد رأي يُكتب أو خبر يُنشر، بل أصبحت سلاحاً قد ينقذ وطناً… أو يفتح أبواب الفوضى على مصراعيها.
ويبقى السؤال:
هل ينجح الإعلام السوداني في أن يكون جسراً للوعي والوحدة، أم تبتلعه فوضى المنصات وخطابات الانقسام؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى