(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… نسخ ولصق …أم جار الكتابة…

في السياسة السودانية، لا شيء يشيخ… بل يُعاد تدويره ، نفس الوجوه، نفس الأسماء، فقط تتبدل الكراسي وتُبدَّل اللافتات، وكأن البلاد عالقة في حلقة مفرغة تعيد إنتاج ذاتها دون خجل، صار تحديث النسخة القديمة نهجًا مألوفًا، يُقدَّم للناس على أنه تغيير، بينما هو في حقيقته إعادة ترتيب للأثاث في غرفة لم تُفتح نوافذها منذ عقود
المشكلة ليست في الخبرة، بل في احتكارها ، ليست في التاريخ، بل في تحنيطه وفرضه على الحاضر، حين تظل ذات الشخصيات تدور بين المواقع، فإن الرسالة تكون قاسية: لا مكان لجديد، لا فرصة لدماء مختلفة، وكأن حواء السودانية قد أُصيبت بالعقم السياسي، ولم تعد تنجب إلا نسخًا مكررة بوجوه محفوظة وأدوار محفوظة أكثر
اختيار د. كامل إدريس لأحد الأسماء التي ارتبطت سابقًا بدوائر قريبة من حمدوك يعكس هذا التناقض بوضوح، الرجل الذي ظل مختلفًا معهم في فترات سابقة، واتخذ موقفًا يُحسب له حين اشتعلت حرب الكرامة ولم يلوث يده، يعود اليوم ليُحيط نفسه بظلال الماضي ، لا يمكن إنكار أن للرجل مواقف وطنية واضحة، وأنه من القلائل الذين ساروا في خط مستقيم وسط عواصف الانحياز، لكن السياسة ليست فقط مواقف… إنها أيضًا رسائل، وأخطر الرسائل تلك التي تُقرأ بين السطور
وحين تعلو أصوات قادة قحت بالهجوم على تعييناته، فذلك في حد ذاته مؤشر لافت؛ كأنما الرجل وضع إصبعه في موضع الألم، أو كما يقول الشارع (أكل فيهم جنبة حارة)! .
الضجيج الذي ملأ صفحات بعض الناقمين، والاتهامات الجاهزة من عينة “فلولي”، لم تعد تثير الدهشة بقدر ما تكشف عن فقر في أدوات التقييم، حيث تُستخدم المصطلحات كحجارة تُرمى بلا تمييز، لا كمعايير تُحتكم إليها
لكن، وبرغم كل ذلك، ليس من العدل أن نُصدر الأحكام الآن، السياسة لا تُقاس بالنوايا ولا بالانطباعات، بل بما ستفرزه الأيام من نتائج. كامل إدريس بدأ بالفعل في إحداث بعض الزحزحة داخل دائرته التنفيذية، ويبدو أنه ينظر بعين فاحصة لما حوله، يحاول أن يعيد ترتيب المشهد وفق رؤيته، لكن التحدي الحقيقي ليس في التعديل… بل في الجرأة على الاختيار
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل السودان عاجز عن إنتاج وجوه جديدة؟ هل النخبة السياسية قدر أبدي لا فكاك منه؟ أم أن هناك كفاءات تُقصى عمدًا لأن دخولها يُربك موازين المصالح القديمة؟ الحقيقة المؤلمة أن البلاد مليئة بعقول شابة قادرة، لكن الطريق إليها مسدود بحراس الماضي
إني من منصتي أنظر …حيث أري…. أن حكومة الأمل، إن أرادت أن تستحق اسمها، لا يكفي أن تُحسن اختيار القديم، بل يجب أن تُغامر بالجديد، فالأمم لا تتقدم بتجميل الوجوه ذاتها، بل بإفساح المجال لوجوه لم تُستهلك بعد، وإلا سنظل ندور في ذات الدائرة، نغير العناوين… بينما يظل النص كما هو، نسخة قديمة بطبعة جديدة لا تقنع أحدًا.



