أقمار التجسس التجارية تغير شكل الحرب في أوكرانيا
تزامن هجوم روسيا على جارتها أوكرانيا، مع حدوث طفرة في أقمار المراقبة التجارية، التي وصل عددها إلى المئات، مما منح كييف إمكانية الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية التي كانت في يوم من الأيام حكرا على عدد قليل من الدول، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وتساعد هذه المعلومات السلطات الأوكرانية على صد الهجوم الروسي، كما تساعد الجماعات الإنسانية على رسم خريطة للفوضى وإجلاء المدنيين.
وحتى قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، كانت الأقمار الصناعية تكشف كذب الرئيس فلاديمير بوتين، عندما كان يقول إن قواته المحتشدة على الحدود تتراجع، كما كانت تكشف بوضوح نيته وإصراره على الغزو.
ويقول الرئيس التنفيذي لـ”بلانيت لابس بي بي سي”، إن صور شركته أوضحت كيف قامت روسيا ببناء جسر من الدبابات للعبور إلى أوكرانيا، حيث أن أسطول شركته المكون من حوالي 200 قمرا صناعيا تقوم بمسح جميع أنحاء أوكرانيا مرة واحدة في اليوم، بدقة يمكن من خلالها تحديد التغييرات على الأرض.
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين في الصناعة أن بعض الأقمار الصناعية يمكنها الرؤية من خلال السحب، وتتبع تحركات القوات الروسية في الليل، في حين لا يزال آخرون يلتقطون إشارات إلكترونية يمكن استخدامها لتتبع القوات الروسية.
وقد لا تكون البيانات من المركبات الفضائية التجارية عالية الجودة مثل تلك التي يمكن أن تجنيها أحدث أقمار التجسس الأميركية، ولكن يمكن مشاركة معلوماتها بسهولة دون عبء القيود الأمنية.
وأصبحت البيانات من أقمار التجسس التجارية الآن جزءا لا يتجزأ من الصراع، مما يوفر لأوكرانيا معلومات استخباراتية قيمة يمكن استخدامها لمحاربة القوات الروسية، ولكن أيضًا في تشكيل الرأي العام من خلال الكشف عن الدمار في البنية التحتية المدنية وتوثيق جرائم الحرب المحتملة.
ويرى كبار مسؤولي الأمن القومي والمديرين التنفيذيين في الصناعة في الولايات المتحدة، أن توفير استخدام الأقمار الصناعية بأسعار معقولة غيرت شكل الحرب، مما جعل من الصعب على روسيا الاختباء أو التستر بشأن أعمالها العسكرية، نظرا لأن الكثير من المعلومات باتت علنية بالفعل، ما سهل أيضا على وكالات الاستخبارات الأميركية رفع السرية ومشاركة بعض أسرارها الخاصة.
ويعود ظهور أقمار التجسس الصناعية إلى الأيام الأولى لسباق الفضاء. فبعد أشهر من إطلاق الاتحاد السوفيتي في عام 1957 أول قمر صناعي، سبوتنيك، الذي ينقل إشارات الراديو، وافق الرئيس الأميركي آنذاك، دوايت دي أيزنهاور، على خطط للولايات المتحدة لتطوير وإطلاق أقمار صناعية للتجسس.
وبعد أربعة عقود من الاحتكار الحكومي، تم إطلاق القمر الصناعي “أيكونوس” في عام 1999، وهو مركبة فضائية تجارية لتصوير الأرض، بقدرات تصويرية ضعيفة نوعا ما.
لكن مع إطلاق المزيد من أقمار تصوير الأرض، أظهرت المركبات الفضائية مزيدا من التفاصيل، كما قال ستيفن وود، كبير المديرين في شركة “ماكسار” التي لديها أربعة أقمار صناعية عاملة في المدار.
وكانت ماكسار، المزود الرائد للصور الأوكرانية لوسائل الإعلام، أثناء الغزو الروسي، حيث تستخدم كاميرات تلتقط صورا بدقة تصل إلى 12 بوصة.
ويقول وود، إن الشركة يمكنها تغيير مواقع الكاميرات الموجودة على متن الطائرة لجمع صور لما يحدث على الأرض عبر منطقة أكبر، بما في ذلك المناطق الحدودية مع أوكرانيا.
بينما كانت وكالات الاستخبارات الحكومية تنظر سابقا إلى أقمار التجسس التجارية بشك وتردد، فإنها أصبحت من الزبائن المتحمسين، حيث تكلف أقمار التجسس التابعة للحكومة الأميركية مليارات الدولارات ويمكن أن يستغرق بناؤها ونشرها سنوات، لكن أقمار التجسس الصناعية رخيصة نسبيا ويمكنها سد الثغرات.
وقال روبرت شارب، مدير وكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية، التي تجمع وتحلل وتوزع البيانات من أقمار التجسس الصناعية الأميركية، في مؤتمر سنوي لذكاء الفضاء، إن الحكومة الأميركية تشجع الشركات الخاصة على مشاركة معلوماتها”.
مشيرا إلى أن هذه الصناعة التجارية “عززت قدرة حكومتنا في الحصول على المعلومات الصحيحة، والتصنيف المناسب في الوقت المناسب”.
وكشفت شركة تكنولوجيا الفضاء “أم دي أيه” عن أنها أبرمت عقدا مع شريك فضاء تجاري أميركي، حيث يتم دمج الصور التي تجمعها من قمرها الصناعي ومن شركات أخرى، ثم تقوم بتحليلها، ثم يتم مشاركة هذه التقارير الاستخباراتية مع الحكومة الأوكرانية.
ويقول الرئيس التنفيدي للشركة، مايك غرينلي، إن القمر الصناعي الخاص بهم يستطيعون من خلالها اكتشاف الأماكن التي تحركت فيها المركبات، حتى في الأحوال الجوية السيئة، ورصد الدبابات المختبئة تحت الأشجار.
وأوضح “الشركة يمكنها تصوير أوكرانيا يوميا، ويمكن أن تكون الصور جاهزة للعرض في بعض الحالات في أقل من 15 دقيقة”.
وبعد إطلاق شركة “بلاك سكاي” قمرين صناعيين في الثاني من أبريل الماضي، تمكنت من تسليم صور خاصة بأوكرانيا للعملاء في غضون 24 ساعة فقط من الإطلاق.
كما تنشر شركة “هوك آي 360” مجموعة مختلفة من أجهزة الاستشعار، حيث تجمع أقمارها الصناعية وتحدد بدقة إشارات الترددات الراديوية من الفضاء، التي تصدر عن سفن الصيد غير القانونية ومنارات الطوارئ، حتى مع تشويش القوات الروسية لإشارات نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي أس”.
ومع ذلك ، لم تخل العمليات التجارية من المخاطر، ورفضت العديد من الشركات أن تكون محددة بشأن كيفية مساعدة أوكرانيا في جهودها لدرء هجوم موسكو. قال أحد المديرين التنفيذيين إنه يخشى أن تصبح شركته هدفا للهجمات الإلكترونية الروسية.
ورفض البنتاغون تقديم تفاصيل حول “خدمات صور الأقمار الصناعية التجارية” التي تم تضمينها كجزء من حزمة المساعدات الأمنية لأوكرانيا التي تم الإعلان عنها في 14 أبريل، ومع ذلك، فإن بعض الشركات تروج علنا لما تفعله لأوكرانيا.



