عبد الرؤوف قرناص يكتب… لقاء جعفر الميرغني وعبد الرحمن الصادق المهدي… والتحديات… السياسة السودانية لم تعد كما كانت… فهل يدرك الورثة حجم المتغيرات؟

جرت مياه كثيرة تحت جسر السياسة السودانية، ولم يعد الحال كما كان. تغيرت ملامح الخريطة السياسية، وتبدلت الولاءات، وتراجعت تأثيرات قوى ظلت لعقود طويلة تعتقد أن قواعدها ستظل تأتمر بإشارتها، مهما تغيرت الظروف والأحوال.
لكن الواقع اليوم مختلف تماماً؛ فقد تغير الوعي، وتبدلت الأولويات، وبرزت أجيال جديدة، في مقدمتها فئة الشباب التي تمثل نحو 45% من السكان، وفق تقديرات متداولة. وهذه الأجيال لا يمكن استدراجها بالحكايات القديمة، ولا إقناعها بالشعارات الموروثة، ولا مطالبتها بمنح صكوك الولاء لقوى سياسية لم تقدم لها ما يقنعها بجدوى استمرارها.
في هذا السياق يأتي لقاء جعفر الميرغني وعبد الرحمن الصادق المهدي، ليطرح أسئلة تتجاوز اللقاء نفسه إلى مستقبل الحزبين اللذين ينتمي إليهما الرجلان، ومدى قدرتهما على التعامل مع واقع سوداني جديد صنعته الحرب، وكشفت فيه الكارثة كثيراً من مواطن الضعف والقصور.
أين البرامج؟
السؤال الذي يقفز إلى الواجهة: ماذا تحمل هذه الأحزاب من برامج ومشروعات لمستقبل السودان؟
ولماذا لم تطرح هذه البرامج بوضوح قبل الحرب؟ وأين كانت مبادراتها وجهودها لتجنيب البلاد والعباد هذه الكارثة التي دمرت المدن، وشردت الملايين، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأدخلت المواطن في دوامة من الخوف والفقر والنزوح؟
لا يكفي أن تلتقي القيادات، أو تصدر البيانات، أو تتحدث عن استعادة الدور السياسي. المطلوب هو إجابات واضحة عن أسئلة المواطن: ماذا فعلتم قبل الحرب؟ وماذا قدمتم أثناءها؟ وماذا ستفعلون بعدها؟
لقد تركت الحرب جراحاً غائرة في جسد الوطن، ولا يمكن لمن يريد العودة إلى المشهد السياسي أن يتجاوزها وكأن شيئاً لم يحدث.
والأشد إيلاماً أن كثيراً من القيادات السياسية غابت عن معاناة المواطنين، بينما تحمل الشعب وحده أعباء الحرب ومآسيها. ومن حق هذا الشعب أن يسأل عن حصيلة أدوار تلك القيادات، وعن نصيبها من المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه ما حدث.
أحزاب تعاني التشظي والعزلة
لم تكشف الحرب عن التشظي الداخلي لهذه الأحزاب فحسب، بل أظهرت أيضاً حجم التحديات التي تواجه علاقاتها الخارجية وقدرتها على التحرك في المحافل الإقليمية والدولية.
فأين المبادرات الخارجية التي حملت صوت السودانيين، وشرحت أبعاد الكارثة الإنسانية، وسعت إلى حشد الدعم والإغاثة وإسناد جهود التعافي وإعادة الإعمار؟
وأين الدبلوماسية الحزبية التي كان يفترض أن تكون سنداً للدبلوماسية الرسمية، لا سيما في هذه الظروف الاستثنائية؟
إن الحزب الذي يعجز عن ترتيب بيته الداخلي، أو عن بناء علاقات فاعلة مع الخارج، سيجد صعوبة بالغة في إقناع السودانيين بأنه قادر على قيادة مرحلة ما بعد الحرب، بما تحمله من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة.
الوراثة السياسية… نقطة الضعف الكبرى
لعل من أكبر المشكلات التي أضعفت هذه الأحزاب ارتباط قيادتها بالوراثة السياسية، حتى أصبح انتقال الزعامة من الآباء إلى الأبناء وكأنه حق مكتسب، لا مسؤولية ينبغي أن تُكتسب بالقدرة والكفاءة والقبول الجماهيري.
ولا يعني ذلك التقليل من قدرات الأبناء لمجرد أنهم أبناء قيادات تاريخية، ولكن السؤال المشروع هو: هل يملك الوارث السياسي مشروعاً مستقلاً، ورؤية واضحة، وخبرة تؤهله للقيادة؟ وهل اختاره الحزب بإرادة مؤسساته وقواعده، أم دفعته إليه اعتبارات النسب والرمزية التاريخية؟
فالسياسة ليست تركة عائلية، والجماهير ليست ميراثاً، والتاريخ النضالي للآباء لا يمنح الأبناء تفويضاً مفتوحاً.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادات تمتلك الحماسة والخبرة والقدرة على مخاطبة جيل جديد، لا إلى مجرد امتداد للأسماء التاريخية مهما كانت مكانتها.
المواطن هو الحكم
إن لقاء جعفر الميرغني وعبد الرحمن الصادق المهدي قد يكون بداية لتحرك سياسي جديد، ولكن قيمته الحقيقية لن تُقاس بالصور أو التصريحات أو التفاهمات الثنائية، وإنما بما سيقدمه من برامج ومواقف عملية تستجيب لتطلعات السودانيين.
فالسودان الذي يخرج من هذه الحرب ليس هو السودان الذي سبقها، والمواطن الذي دفع الثمن الباهظ لن يقبل بسهولة إعادة إنتاج المشهد السياسي القديم بوجوه جديدة وأدوات بالية.
المطلوب أحزاب تجدد برامجها، وتراجع تجربتها، وتفتح أبوابها للشباب، وتقدم حساباً واضحاً عن مواقفها، وتثبت أنها قادرة على خدمة الوطن قبل المطالبة بالسلطة.
أما الاكتفاء باللقاءات والرمزية التاريخية، فلن يعيد الثقة المفقودة، ولن يضمن لهذه القوى مكاناً في مستقبل السودان.
على كل حال، الأيام حبلى بالكثير، والاختبار الحقيقي لا يزال أمام الجميع.
وكما يقول المثل السوداني: «الموية تكذّب الغطّاس».



