مقالات الظهيرة

د. عادل أحمد إبراهيم يكتب…ثورة أكتوبر 64 بين وعي النخب والوعي الجماهيري!!

تعتبر ثورة 21 أكتوبر 1964 في السودان علامة فارقة باعتبارها أول ثورة شعبية تطيح بحكم عسكري في العالم العربي وإفريقيا، وقد اتسمت العلاقة فيها بين وعي النخب (السياسية والمهنية والطلابية) والوعي الجماهيري بديناميكية خاصة، حيث تقدمت الجماهير في كثير من الأحيان بوعيها المباشر وعفويتها الثورية على حساب تردد أو محدودية أفق بعض قيادات النخب.

فلقد انطلقت الشرارة من رحم الموقف الجماهيري والطلاب, بدءاً بندوة جامعة الخرطوم حول مشكلة جنوب السودان وسقوط الشهيد أحمد القرشي طه، لتتحول جنازته ومواكب الغضب إلى انفجار ثوري شامل.

تداعت النقابات والاتحادات والمهنيون والعمال فوراً لإعلان العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل، وهو تكتيك نضالي فريد أبرز وعياً عملياً متقدماً لدى الشارع بقدرته على شل حركة النظام العسكري للفريق إبراهيم عبود.

وفي ظل عمق اللحظة التاريخية يرى بعض المحللين أن الجماهير كانت في تلك اللحظة أعمق وعياً بطبيعة ديكتاتورية السلطة وضرورة اجتثاثها بالكامل (شعار “إلى القصر حتى النصر”) مقارنة ببعض القيادات التي كانت تنظر للحلول ضمن أطر توازنات السلطة التقليدية.

لذا فان دور النخب في التوجيه والبلورة لعبت فيه نخب جامعة الخرطوم، والقيادات النقابية، والقوى الحزبية (كجبهة الهيئات) دوراً حاسماً في تأطير الغضب العفوي وتحويله إلى برنامج سياسي ومطالب دستورية واضحة تطالب بعودة الديمقراطية.

لكن فجوة الوعي والقصور والتي أشارت اليه تحليلات نقدية كثيرة إلى أن النخب السودانية تعاملت مع “أكتوبر” أحياناً باعتبارها تغييراً في رأس الهيكل السياسي دون إنجاز المشروع الفكري وال الهيكلي العميق الذي يستوعب قضايا السودان الكبرى، مثل قضية جنوب السودان مما جعل الثورة في بعض جوانبها “ناقصة الوعي باللحظة التاريخية” لأن الحراك الجماهيري تجاوز في زخمه ورهاناته قدرة القوى الحزبية والنخب على حراسة أهدافها على المدى البعيد.

اجتزء هنا ما قاله الأستاذ خالد كودي في مدونته من العام المنصرم فيما يلي:-

لو أعدنا النظر في ثورة أكتوبر 1964 من موقع النقد التاريخي لا التمجيد الرومانسي، لوجدنا أن تلك اللحظة التي بدت لكثيرين ميلادًا وطنيًا جديدًا، كانت في جوهرها فرصةً ضائعةً لتأسيس الدولة السودانية الحديثة. فقد قاد الثورة طلاب جامعة الخرطوم والنقابات المهنية، من شخصيات بارزة مثل عبد الخالق محجوب، حسن الترابي، الصادق المهدي، فاروق أبو عيسى، عبد المجيد امام، عابدين إسماعيل ،وغيرهم من الرموز المستنيرة

كانت أكتوبر، في حقيقتها، لحظة وعي ناقص، وعيٍ سياسي محدودٍ لم يرَ في الدولة سوى وعاءٍ ينبغي “تطهيره” من الحكم العسكري، لا بنيةً استعمارية يجب إعادة تأسيسها من الجذور. لم يتساءل قادة الثورة عن طبيعة المركز وهيمنته، ولا عن التفاوت الطبقي، والإقليمي، ولا عن العلاقة الملتبسة بين الدين والهوية والدولة. وبحكم انتمائهم إلى طبقة وسطى مدينية تشكّلت في ظل الامتيازات الاستعمارية، ظل وعيهم حبيس المدينة والجامعة والبيروقراطية، بعيدًا عن نبض الريف والهامش حيث كان جوهر الأزمة السودانية حينها، وللأسف الي يومنا هذا!

سقط الفريق إبراهيم عبود، لكن لم تسقط الدولة التي صنعته. بقي الجيش قوةً سياسية فاعلة، واستمر الاقتصاد الريعي المركزي الموجّه نحو العاصمة، واحتفظت الدولة بهويتها العربية–الإسلامية الرسمية التي تُقصي التنوع الثقافي والأفريقي والغير مسلم. لم يجرؤ أحد من هؤلاء القادة على طرح أسئلة التأسيس الجوهرية: العلمانية، اللامركزية، العدالة التاريخية، وتقرير المصير الثقافي. كان أفقهم الفكري محصورًا في ما أسموه “اسقاط العسكر”، أي العودة إلى الحكم المدني، لا تأسيس عقدٍ اجتماعي جديد يعبّر عن جميع السودانيين.

ولو أن قادة ثوار أكتوبر امتلكوا وعيًا أعمق بتعقيدات السودان التاريخية والثقافية، وطرحوا دستورًا يعترف بالتعدد الديني والاثني، وامتدت الثورة إلى الريف والمناطق المهمشة كما اشتعلت في المدن والجامعات، لربما كان السودان اليوم دولةً مدنيةً حقيقيةً، متعددة الهويات، مستقرة في جنوبها وغربها وشرقها، ومتصالحة مع نفسها ومع تاريخها.

لكن ما حدث أن الوعي الجماهيري تجاوز وعي النخب التي ادّعت قيادته، ولايزال- فبينما كانت الجماهير حينها تطالب وتطمح لتحرر شامل من القهر السياسي والاجتماعي، كانت النخب تسعى إلى تدوير السلطة داخل مركز الخرطوم. وهكذا انتهت ثورة أكتوبر لا كتأسيسٍ لزمنٍ جديد، بل كعودةٍ مُزخرفة إلى الزمن القديم بثيابٍ سودانية مدنية، ثورة أطلقت الوعود الكبرى، لكنها عجزت عن كسر بنية الهيمنة التي ما زالت تحكم السودان حتى اليوم!

في الذاكرة الوطنية، تُقدَّم ثورة أكتوبر 1964 بوصفها لحظة وعي جماعي فريدة، ورمزًا للبطولة المدنية في تاريخ السودان الحديث. غير أن القراءة التاريخية الدقيقة تكشف أنها لم تكن لحظة تأسيس دولة جديدة بقدر ما كانت تبديلًا في الواجهة السياسية دون تغيير في بنية السلطة أو الاقتصاد أو الثقافة السياسية. سقط رأس النظام، لكن جسد الدولة الاستعماري المركزي بقي على حاله. تقدّم الخطباء، لكن المؤسسات لم تتحرك، وبقيت أجهزة القمع والإقصاء قائمة، وإن بثوب مدني جديد

إن التمجيد السطحي لأكتوبر — الذي تحوّل إلى طقس احتفالي موسمي — لا يخدم الوعي الوطني بقدر ما يكرّس الوهم بأن التغيير قد حدث فعلًا. فبالنسبة لغالبية السودانيين، خاصة في الأقاليم المهمشة مثل دارفور، وجبال النوبة، والشرق، وجنوب النيل الأزرق، لم تُحدث ثورة أكتوبر أي فرق ملموس في حياتهم اليومية.

لم تُبن مدارس جديدة، ولم تُعبّد طرق، ولم يُرفع عنهم التهميش السياسي أو الاقتصادي. بل يمكن القول إن الاحتفاء المبالغ فيه بأكتوبر أعاق أحيانًا الوعي التاريخي، حين جعل البعض يظن أن مهام التغيير قد أُنجزت، بينما الحقيقة أن تلك المهام لا تزال قائمة وأكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

إن الواجب الأخلاقي والتاريخي اليوم ليس تخليد أكتوبر بوصفها نهاية، بل البناء عليها بوصفها بداية مؤجلة. فالتحدي الراهن أمام السودانيين ليس إسقاط نظام ديكتاتوري عسكري جديد، بل تأسيس دولة جديدة: دولة تقوم على العدالة التاريخية و القانون لا الولاء، على الإنتاج لا الريع، وعلى التعدد والمواطنة المتساوية لا الامتيازات التاريخية.

وفي ضوء الحروب الأهلية والانهيار الاقتصادي الراهن، لم يعد ممكنًا البقاء أسرى لذاكرة الثورات غير المكتملة. المطلوب اليوم ليس مجرد “ثورة أخرى”، ولا أوهام “استكمال ثورة” منقوصة منطلقا، بل ثورة تأسيس تنقل الوعي إلى دستور، والدم إلى عدالة، والمقاومة إلى بناء — ثورة تكتب ميلاد السودان الذي لم يولد بعد – ثورة تكتب ميلاد سودان جديد!

 

نافلة القول إن بعد أكتوبر اعادة مأساة عودة النظام القديم:

فانشغلت الأحزاب السياسية التقليدية والنخب بالصراع على السلطة والمناصب الحزبية القديمة بدلاً من تفكيك تركة الديكتاتورية أو حل الأزمات الهيكلية (كقضية الجنوب والتهميش الاقتصادي). وتصفية الخصوم

مثال

1/غياب التوافق على شكل الدولةبين الأطراف السياسية في الاتفاق على طبيعة العلاقة الدستورية ونظام الحكم الجديد الخاص بقضية جنوب السودان وانعدام التوافق السياسي بين ممثلي الأحزاب الشمالية والسياسيين الجنوبيين حول نظام الحكم (فيدرالية أم كونفدرالية أم وحدة كاملة

كان ذلك من خلال مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر 65

2/ حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان،وتداعياته من بعد ذلك 65-66

3/محكمة الردة للأستاذ محمود محمد طه 68

4/ فرض أو صياغة دستور إسلامي مبكراً بعد انتخابات 68 وذلك عبر ضغوط بقيادة جبهة الميثاق الإسلامي

والازهري والإمام الهادي المهدي.

هذا القصور السياسي والضعف البنيوي أتاح للمناخ الحزبي القديم العودة بشكله الهش، دون احداث التغيير الجذري الذي ضحى من أجله الشعب، وهو النمط الذي تكرر بصور مختلفة في تاريخ السودان السياسي الحديث.

د. عادل احمد ابراهيم محمد

داناكوم للخدمات الإعلامية

الخرطوم-لندن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى