أكتوبر بين وهج الثورة ووجع الواقع.. هل نستورد الخبرة لننقذ ما تبقى؟

بقلم: عبدالحليم محمد الفريحابي
٢١/اكتوبر ٢٠٢٦
ليس أكتوبر مجرد شهر، وليس الحادي والعشرون مجرد يوم، إنه ميلاد وعي أمة، كُتب بدم الشهيد أحمد القرشي في رحاب جامعة الخرطوم، وخلدته حناجر الشعراء.
وعندما نذكر شعر وشعراء أكتوبر، لا بد من التمييز الدقيق الذي يحفظ حق كل مبدع:
كتب الأستاذ فضل الله محمد من داخل زنزانته بمعتقل كوبر بعد الثورة مباشرة نشيده الخالد: أكتوبر واحد وعشرين يا صحو الشعب الجبار، يا لهب الثورة العملاقة يا ملهم غضب الأحرار، ولحنه وغناه الفنان محمد الأمين، فصار نشيداً للشارع.
وكتب الدبلوماسي الشاعر محمد المكي إبراهيم (ود المكي) رائعته الأخرى: باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني، وتغنى بها العملاق محمد وردي، فصارت أيقونة خضراء للثورة.
ثم جاء الفتى المعجزة هاشم صديق وهو ابن التسعة عشر عاماً آنذاك فكتب ملحمته الكبرى (قصة ثورة) المعروفة بملحمة أكتوبر: لما الليل الظالم طول وفجر النور من عينا اتحول، وقدمها محمد الأمين كأوبريت مسرحي في المسرح القومي، فعدها النقاد أغنية القرن.
هذه الأكتوبريات الثلاث هي دستور ثورة أكتوبر.
وماذا نستلهم منها اليوم؟
وحدة الصف: في أكتوبر لم يسأل أحد عن حزبه أو قبيلته، خرج الشعب كله يداً واحدة. وهذا هو الدرس الذي نحتاجه اليوم ونحن نتلمس طريق البناء، أن نكون أكثر تماسكاً.
كذلك القيادة الأخلاقية: قادة أكتوبر لم يطلبوا كراسي ولا مغانم، بل أسسوا حكومة انتقالية وسلموا السلطة لحكومة منتخبة. كانت الأمانة هي الزاد، والنزاهة هي السلاح.
أن الثورة فكرة لا تموت: مات القرشي وبقي أكتوبر حياً. وكلما ظن الناس أن الجذوة انطفأت، جاء جيل جديد ليعيد إشعالها، لأن هذا الشعب معلم، وإرادته لا تلين.
ومن أكتوبر إلى واقعنا اليوم..
نحتفل بأكتوبر ونحن نعيش تردياً لم يسبق له مثيل. ما قيمة أن نحفظ أناشيد أكتوبر عن ظهر قلب ونحن عاجزون عن توفير أبسط مقومات الحياة؟
كهرباء لا تستقر، تأتي ساعات وتغيب ساعات مصانع متوقفة تحولت لخردة. مشروع الجزيرة، الذي كان عمود اقتصاد السودان وسلة غذاء العالم، منهار ما بين عطب قنواته و عطش غيطه فشل يضرب في كل مرفق ..لم تعد الموسسات و لا الوزارات كما كانت من قبل تدني في الاداء و تراجع في كل شي
جيل أكتوبر بنى دولة بمؤسسات كانت أفضل من مؤسساتنا اليوم بمراحل، رغم قلة الإمكانيات. ونحن اليوم، رغم كل الشهادات والجامعات، عجزنا حتى عن تشغيل محطات كهرباء بصورة مستدامة او مستقرة
لذلك نقولها بلا خجل ولا مكابرة يجب علينا ان نستعين بالخبرة الأجنبية النزيهة لتسيير وإدارة بعض المؤسسات الاستراتيجية. ليس عيباً أن نستورد خبرة لإدارة الكهرباء أو الموانئ أو مشروع الجزيرة، العيب أن نظل نكابر والوطن ينهار أمام أعيننا.
أكتوبر علمنا أن نرفض حكم العسكر، واليوم يجب أن يعلمنا أن نرفض الفشل والفساد وسوء الإدارة، وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل كبرياء زائف.
٠
المجد لأكتوبر.. والمجد لمن يحول لهبه إلى نور وماء، وقمح في الجزيرة و قبل هذه وطنية حقة و انتماء حقيقي لهذا الوطن الغالي



