(أصل القضية) من سلسلة الجسر والمورد… السودان.. هندسة العجز!!

د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
> تُحكى قصة عن جحا، حين سمع أن الطاعون يقترب من المدينة، فقال ما دام لم يصل إلى بيتي، فلا شأن لي به. وحين قيل له إن الطاعون لا يستأذن الأبواب، أجاب بما معناه لكل بيت طاعونه!
قد تبدو الحكاية طرفة عابرة، لكنها تضعنا أمام سؤال ثقيل في واقع السودان بعد الحرب كيف يمكن لمجتمع أن يشكو من العجز، بينما تسهم بعض سلوكيات أفراده، بوعي أو من دونه، في إعادة إنتاجه؟
لم تصنع الحرب بالضرورة شخصية سودانية جديدة، ولم تُخرج من الإنسان ما لم يكن موجودًا فيه من قبل لكنها نزعت كثيرًا من الأغطية التي كانت تحجب بعض التناقضات. ففي أوقات الاستقرار، قد تتوارى الأنانية خلف المجاملات، ويتخفى الاستغلال خلف العلاقات الاجتماعية، ويظل احتكار المعرفة أقل وضوحًا في مجتمع تتوافر فيه بدائل أكثر. أما حين تضيق الحياة، وتتراجع المؤسسات، وتصبح الحاجة أكثر إلحاحًا، فإن السلوكيات التي كانت في الهامش تجد فرصتها للظهور.
وليس المقصود هنا إدانة الشخصية السودانية، ولا إنكار ما أظهره السودانيون من تكافل وشجاعة وإيثار خلال الحرب. المقصود أن نقرأ الوجه الآخر للصورة لأن المجتمعات لا تُختبر بما تقوله عن نفسها فحسب، بل بما تفعله حين تتعارض قيمها المعلنة مع مصالحها المباشرة.
خذ مثلًا موقف الإنسان من مصيبة لم تصل إلى بيته بعد. قد يتابع نزوح الآخرين، أو فقدانهم لممتلكاتهم، أو انتهاك حرماتهم، ثم يمضي في حياته كأن الأمر لا يعنيه. وبالطبع، ليس كل صمت لامبالاة فقد يكون خوفًا أو عجزًا أو انشغالًا بمعركة البقاء. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المسافة من الخطر إلى مبرر للتخلي عن المسؤولية، وحين يصبح معيار الاهتمام هو مقدار ما أصابني، لا حجم ما أصاب المجتمع الذي أنتمي إليه.
فالخطر الذي يصيب الآخرين اليوم قد يصبح واقعًا يطرق بابي غدًا. وحين يكتشف كل فرد أن الآخرين لم يعودوا معنيين بما يحدث له، يكون المجتمع قد فقد إحدى أهم وسائل دفاعه، التضامن الذي يجعل محنة الفرد قضية تتجاوز حدود بيته.
ثم هناك سلوك آخر لا يقل أثرًا أن يحتفظ المرء بالمعلومة لا لأنها سرٌّ يجب حمايته، بل لأن معرفة الآخرين قد تنتقص من ميزته. هنا تتحول المعرفة من مورد يساعد على تجاوز الأزمة إلى وسيلة لإبقاء الناس في حالة احتياج. وقد يصبح جهل الآخر مصدرًا للشعور بالتفوق، أو فرصة لفرض النفوذ، أو مدخلًا لتحقيق مصلحة لا يمكن تحقيقها لو امتلك الجميع المعلومة نفسها.
إنها صورة من الاستثمار في حاجة الآخر حيث لا تُقاس قيمة المعرفة بما تفتحه من فرص، بل بما تمنحه لصاحبها من قدرة على التحكم في الآخرين. والمفارقة أن من يظن أنه يزداد قوة كلما بقي الآخرون ضعفاء، قد يكون مشاركًا في إضعاف البيئة التي يحتاج إليها هو نفسه كي ينجح ويستقر.
وفي السوق، تظهر الفكرة ذاتها بصورة أكثر مباشرة. فقد يدخل شخصان متجرًا واحدًا لشراء السلعة نفسها، فيحصل كل منهما على سعر مختلف، لا بسبب اختلاف الجودة أو التكلفة أو ظروف السوق، بل لأن البائع قدّر حاجة أحدهما أو جهله بالسعر، فرفع عليه الثمن. وليس كل اختلاف في الأسعار استغلالًا، لكن التسعير الاعتباطي أو الاستغلالي يبدأ حين تصبح حاجة المشتري وغياب المعلومات عنه فرصة لفرض ما لا يستطيع مقاومته.
قد يحقق البائع مكسبًا سريعًا، لكنه يخسر شيئًا أبعد من قيمة الصفقة ، إنها الثقة. وحين يصبح كل تعامل احتمالًا للاستغلال، يتعلم الناس الحذر من بعضهم، وتتحول العلاقات اليومية إلى اختبارات للشك، ويصبح التعاون أكثر صعوبة وكلفة.
هنا نقترب من جوهر هندسة العجز ، أن يتحول بعض ما نفعله بحثًا عن منفعة فردية عاجلة إلى عامل يضعف قدرتنا الجماعية على تجاوز الأزمة.
فالحرب تفرض عجزًا حين تدمر الموارد، وتغلق الطرق، وتقطع مصادر الرزق، وتحاصر الإنسان بظروف لا يملك تغييرها. لكن العجز قد يمتد إلى ما بعد حدود الضرر المفروض، حين يعتاد الإنسان أن جهده لن يغيّر شيئًا، أو حين يشارك في ممارسات تزيد اختلال البيئة التي يعيش فيها. وهذه مستويات مختلفة فلا يجوز لوم من أغلقت الحرب أمامه أبواب الفعل، كما لا يصح أن نغفل السلوكيات التي نستطيع مراجعتها وتغييرها.
والدولة، بطبيعة الحال، تتحمل مسؤوليتها في حماية المواطنين، وضبط الأسواق، وإنفاذ القانون، وإعادة الخدمات والمؤسسات. ولا يمكن مطالبة المجتمع بتعويض غياب الدولة، أو تحميل المواطن وحده تبعات حرب لم يخترها. لكن استعادة الدولة لا تنفصل عن استعادة الثقة بين الناس فالقانون يحمي الحقوق، بينما تساعد الممارسات اليومية العادلة على جعل احترام الحقوق ثقافة اجتماعية، لا مجرد نصوص رسمية.
ومن منظور رؤية الجسر والمورد، لا تقتصر موارد السودان على ما تختزنه أرضه من ثروات، بل تشمل أيضًا المعرفة والثقة والعلاقات والقدرة على التعاون. فهذه كلها موارد قد تُهدر دون أن تظهر في حسابات الخسائر، لكنها تؤثر مباشرة في قدرة المجتمع على تحويل إمكاناته إلى نتائج.
أما الجسر، فهو ما يصل بين المورد والغاية، وبين المصلحة الفردية والتقدم المشترك. فإذا احتكرنا المعرفة، واستثمرنا في حاجة بعضنا، وتجاهلنا الخطر ما دام بعيدًا عن بيوتنا، فإننا لا نهدم الجسر دفعة واحدة بل ننتزع منه لبنة بعد أخرى، ثم نتساءل لماذا أصبح العبور أصعب.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا بعد هذه الحرب ليس ماذا فعلت بنا الحرب؟ وحده، بل أيضًا ماذا كشفت فينا، وما الذي ينبغي ألا نسمح له بأن يتحول إلى قاعدة لحياتنا المقبلة؟
فليس المطلوب أن نحاكم الشخصية السودانية، ولا أن نستسلم لصورة مثالية عنها، بل أن نميز بين القيم التي نعتز بها والسلوكيات التي تناقضها، وأن نفهم أن التعافي لا يبدأ بإعادة بناء ما تهدم فحسب، بل أيضًا بمراجعة ما يجعل الهدم قابلًا للتكرار.
فقد تفرض الحرب علينا العجز، لكننا لا ينبغي أن نحوّله إلى نظام حياة لأن أخطر ما تتركه الحروب ليس فقط ما تدمره في الأرض، بل ما قد يستقر في النفوس من سلوكيات تجعلنا نعيد إنتاج خسائرها، حتى بعد أن تصمت المدافع.
وهنا بالضبط #أصل_القضية



