(حديثكم) مرتضى أحمد الخليفة يكتب. .. بعدما توقفت الصحف ومراكز الإنتاج.. الصحفيون بلا عمل!

في وسط الخرطوم وبعض المواقع الاخري كانت الصحف والمراكز الإعلامية تعج بالحركة والنشاط وكان الصحفيون يتسابقون في تغطية الملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والخدمية في مختلف ربوع الوطن حاملين أقلامهم وأجهزة تسجيلهم وكاميراتهم بحثاً عن الحقيقة ونقل معاناة المواطنين وتسليط الضوء على قضايا التنمية والإنتاج والاستقرار أملاً في أن يصبح السودان وطناً آمناً ومستقراً ينعم فيه الجميع بالحياة الكريمة والوفاء والرفاهيه
وكانت الكلمة الصحفية حاضرة في كل الميادين وكان الصحفيون يؤدون رسالتهم المهنية كلٌّ في موقعه مدافعين عن قضايا الوطن وناقلين لصوت المواطن ومساهمين في بناء الوعي المجتمعي وترسيخ الاستقرار ومنهم من دافع بالقلم واخرون بالبندقيه عندما كانت القضيه قضية وطن و جأت الحرب المشؤومة لتقلب حياة السودانيين الي مرارات والام فقتلت الأبرياء ودمرت المؤسسات وشردت الأسر ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء تاركةً وراءها جراحاً عميقة وآثاراً لا تزال موجوده في كل مناحي الحياة
وفي قلب هذه المأساة كان للصحفيين نصيبهم من المعاناة كبير
تجولت في شوارع العاصمة الخرطوم ووقفت على حجم الخراب والدمار الذي طال المؤسسات الصحفية والمراكز الإعلامية وشاهدت كيف توقفت الصحف عن الصدور وتعطلت مراكز الإنتاج وفقد عدد كبير من الصحفيين مصادر رزقهم وأصبحوا بين ليلة وضحاها بلا عمل بعد أن كانوا يحملون هموم الوطن والمواطن عبر أقلامهم
رافقتُ عدداً من الزملاء في رحلة النزوح ووقفت على أحوالهم وما واجهوه من ظروف قاسية فمنهم من اضطرته قسوة المعيشة إلى ترك مهنته والعمل في الاسواق والاحتطاب والأعمال الشاقة بحثاً عن رزق اليوم باليوم ومنهم من يحتاج إلى العلاج ولا يجد القدرة على توفير تكاليفه ومنهم من لا يزال يكابد أعباء الحياة بعدما فقد مصدر دخله واستقرت به الظروف في واقع لم يكن يتخيله
وحتى كتابة هذه السطور التقيت كثيراً من الزملاء في شوارع العاصمة بلا عمل ولا مصدر دخل ثابت اشكالهم تغيرت واجسامهم نحلت يحملون في دواخلهم هموم المهنة وأوجاع النزوح ويتطلعون إلى يوم تعود فيه المؤسسات الصحفية إلى العمل وتعود الأقلام إلى الكتابة وتستعيد الصحافة السودانية عافيتها ودورها في المجتمع
رسالتي هناالي الجهات المسؤولة أين الصحفيون من برامج الدعم والرعاية وأين المؤسسات المعنية من أوضاع هؤلاء الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في خدمة الوطن والمجتمع
إن الصحفي ليس مجرد موظف فقد وظيفته بل هو صاحب رسالة وركيزة أساسية من ركائز الوعي والتنوير وشريك في معركة البناء والإعمار لا تقل أهمية رسالته عن أهمية بقية المهن التي يحتاج إليها الوطن في مرحلة التعافي وإعادة البناء وهم من يسلطون الضوء الي إعادة بناء السودان مابعد الحرب
ومن هذه الزاويه نناشد الدولة والجهات المختصة والمؤسسات الصحفية والاتحادات المهنية أن تتحرك بصورة عاجلة لوضع خطة متكاملة لمعالجة أوضاع الصحفيين المتضررين من الحرب تبدأ بحصرهم ومعرفة احتياجاتهم وتوفير الرعاية الصحية والعلاج للمرضى وتقديم الدعم الاجتماعي للذين فقدوا مصادر دخلهم والعمل على استيعابهم في المؤسسات الخدميه و الإعلامية وفقاً لتخصصاتهم وخبراتهم
كما نطالب بتسريع جهود إعادة تأهيل المؤسسات الصحفية والمراكز الإعلامية المتضررة وتوفير الخدمات الأساسية التي تتيح لها استئناف نشاطها حتى يعود الصحفي إلى موقعه الطبيعي ويواصل أداء رسالته المهنية والوطنية
إن إعادة بناء السودان لا تقتصر على تشييد المباني وإصلاح الطرق واستعادة الخدمات بل تشمل أيضاً إعادة الاعتبار للإنسان وحماية الكفاءات الوطنية ورعاية أصحاب المهن الذين تضرروا من الحرب وفي مقدمتهم الصحفيون الذين فقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم
لقد خدم الصحفيون الدولة والمجتمع وكانوا وما زالوا منارات للتنوير وأصحاب أقلام حاضرة في الدفاع عن الوطن وكشف الحقائق ومواجهة حملات التضليل كلٌّ من موقعه وبأدوات مهنته
فهل تجد هذه الأصوات من يسمعها وهل تمتد إليها يد الدولة لتعيد إليها الأمل وتمنحها فرصة العودة إلى العمل والإنتاج
إننا لا نطلب المستحيل وإنما نطالب بالإنصاف والرعاية وبخطوات عملية تعيد للصحفي كرامته المهنية وتوفر له الحد الأدنى من مقومات الحياة حتى يتمكن من مواصلة رسالته في هذه المرحلة المعقده من تاريخ السودان
فالوطن الان يحتاج إلى إعلام قوي والإعلام القوي يحتاج إلى صحفي قادر على العمل والإبداع والصحفي الذي أثقلته الحاجة والمرض والتشرد لن يستطيع وحده أن يتجاوز هذه المحنة دون سند من الدولة ومؤسساته المهنية
حديثكم الأخير لا تتركوا الصحفيين خلف الابواب المقفله ساعدوهم في محنتهم فقد حملوا هموم الوطن بقلمهم واليوم جاء دور الوطن ليحمل همومهم ويعيد إليهم الأمل حتى تعود الصحافة السودانية منارةً للوعي وسنداً للاستقرار وشريكاً في معركة الإعمار البناء ومدافعا بالقلم و البندقيه عن كل اجزائه لنا وطنا ولكم منا كل التقدير والاحترام،



