د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… اتكاءة على جدار الوطن الجريح.. من يوقف النزيف.. ومن يبعث الأمل في الجموع التي ترنو إلى أشعة الفجر الجديد؟

في وطنٍ أنهكته الحرب، وأثقلته الخسائر، وضاقت فيه سبل العيش، لم يعد المواطن ينتظر المعجزات، ولا يطالب برفاهية لا تحتملها الظروف، وإنما ينتظر أن تخفف عنه حكومته بعضاً من أوجاعه، وأن يجد من يشعر بمعاناته، ويتحسس مواضع الألم، قبل أن يصدر قراراً جديداً يزيد الجراح اتساعاً.
لكن ما يحدث يجعلنا نتساءل بمرارة: من يوقف هذا النزيف؟ ومن يبعث الأمل في نفوس هذه الجموع التي ما زالت ترنو إلى أشعة الفجر الجديد؟
أولاً.. مشروع الجزيرة يعطش!
حملت الأنباء أن مساحات من مشروع الجزيرة أصابها العطش. مشروع الجزيرة، الذي عرف الري الانسيابي، والذي يفترض أن يكون أحد أعمدة النهضة الزراعية واستعادة الأمن الغذائي، تصيبه أزمة عطش، رغم وجود إدارة كاملة للمشروع!
هنا تصيبك الدهشة، ثم يتبعها الألم.
كيف يعطش مشروع زراعي بهذا الحجم، في بلدٍ تجري فيه مياه النيل، بينما يبحث شعبه عن لقمة العيش، وتبحث حكومته عن موارد النقد الأجنبي؟
إن الزراعة ليست مجرد محصول يُزرع ثم يُحصد؛ إنها أمن غذائي، وفرص عمل، وصادرات، وموارد للخزينة العامة، واستقرار اجتماعي.
أعيدوا وزارة الري!
لا يمكن أن يكون السودان بلداً زراعياً، وتظل إدارة الري بهذا القدر من الأهمية غائبة عن المستوى الوزاري المستقل. فالمياه ليست ملفاً هامشياً، وإنما هي أساس الإنتاج الزراعي، وركيزة الأمن الغذائي، ومفتاح استعادة الاقتصاد.
إذا كانت هناك أسباب فنية أو إدارية وراء عطش مساحات المشروع، فلتُعلن للرأي العام، وليُحاسب المقصر، ولتُعالج المشكلة قبل أن تتحول إلى خسائر جديدة يتحملها المزارع والمواطن والدولة.
ثانياً.. الجمارك والمواطن الذي فقد سيارته مرتين!
علمنا أن الجمارك أعادت مئات السيارات إلى المواطنين بسبب بعض الشروط والأحكام.
وهنا نسأل: هل استوعبت الجهات المعنية حجم الكارثة التي عاشها أصحاب السيارات خلال الحرب؟
لقد فقد السودانيون آلاف السيارات، وتحدثت تقديرات متداولة عن نحو 17 ألف سيارة متراكمة فوق بعضها البعض، في مشهد مؤلم يبحث فيه المواطن عن بقايا سيارته، ويحاول التعرف على رفاتها، حتى يتمكن من إثبات ملكيته واستلام ما تبقى منها.
هؤلاء مواطنون خسروا ممتلكاتهم في الحرب، ويحاول بعضهم اليوم أن يبدأ من جديد، فهل نزيد معاناتهم بإجراءات يمكن معالجتها بقدر من المرونة؟
إذا كانت هناك مخالفات أو نواقص في الأوراق، فلماذا لا تُدرس بدائل عملية، مثل الغرامات المناسبة، أو منح مهلة لتوفيق الأوضاع، أو وضع إجراءات استثنائية تراعي ظروف الحرب، بدلاً من إعادة السيارات إلى جدة، وتحميل أصحابها مزيداً من النفقات والخسائر؟
نحن لا ندعو إلى تجاوز القانون، وإنما إلى تطبيقه بروح العدالة، ومراعاة الظروف الاستثنائية التي مر بها الوطن ومواطنوه.
ثالثاً.. الفول والخبز.. إلى أين يمضي المواطن؟
هناك همس متصاعد عن زيادة محتملة في أسعار الخبز. وإذا صحت هذه الأنباء، فإنها ستأتي في وقت يعاني فيه المواطن من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وبعد قرار حظر استيراد الفول المصري وما ترتب عليه من مخاوف بشأن الأسعار وتوافر البدائل.
عندها يجد المواطن نفسه محاصراً بين رغيف يزداد ثمنه، وفول تتصاعد تكلفته، ودخل لا يواكب هذه الزيادات.
الفول ليس سلعة كمالية في السودان؛ إنه وجبة أساسية تعتمد عليها أسر كثيرة، وقد يكون الوجبة الوحيدة لبعضها في اليوم. والخبز كذلك ليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
فهل درست الجهات التي اتخذت قرار الحظر أثره على المستهلك؟ وهل وضعت البدائل قبل اتخاذ القرار؟ وهل جرى تقدير قدرة الأسر على تحمل أي زيادات جديدة؟
مجلس الوزراء الذي يملك جرأة الحظر، عليه أن يملك بالقدر نفسه شجاعة تخفيف المعاناة.
فإدارة الاقتصاد لا تكون بالمنع وحده، وإنما بتوفير البدائل، وضبط الأسواق، وحماية المستهلك، وتهيئة الظروف التي تجعل الإنتاج المحلي قادراً على تلبية احتياجات الناس.
رابعاً.. أين المسؤول الذي يمشي بين الناس؟
هل لنا من والٍ أو وزير يمشي في الأسواق، ويتفقد أحوال المواطنين، ويستمع إلى أصحاب المخابز، وتجار المواد الغذائية، وأصحاب الدخل المحدود؟
نريد مسؤولاً يرى الأسعار بعينيه، ويسمع شكاوى الناس مباشرة، ويعرف كيف أصبحت تكلفة الوجبة اليومية عبئاً على الأسرة.
ليس المطلوب جولات بروتوكولية، ولا صوراً تُنشر في وسائل الإعلام، وإنما جولات تنتهي بقرارات قابلة للقياس، وحلول يعرف المواطن أثرها في السوق.
وهل يمكن أن نعيد تجربة التعاونيات الاستهلاكية، لتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، والحد من تعدد الوسطاء وهوامش الأرباح المتراكمة؟
وهل يمكن أن تضع الحكومة برنامجاً لتمليك المواطنين الذرة بالأقساط، أو توفيرها عبر منافذ مباشرة، خاصة للأسر الأكثر احتياجاً؟
إنها أفكار تستحق الدراسة الجادة، لا أن تظل مجرد أسئلة يطرحها المواطن بينما تتسع دائرة المعاناة.
خامساً.. لا تتركوا المواطن وحده في مواجهة القرارات!
نحن ندرك أن الحرب خلفت واقعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، وأن موارد الدولة محدودة، وأن استعادة المؤسكسات والخدمات ليست أمراً سهلاً.
لكننا ندرك أيضاً أن المواطن هو الذي تحمل النصيب الأكبر من الخسائر، وأن صبره لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قدرة مفتوحة على تحمل المزيد.
المطلوب اليوم أن تكون هناك مراجعة حقيقية لكل قرار يمس معاش الناس، وأن تُقاس آثاره قبل صدوره، وأن تُراجع نتائجه بعد تطبيقه، وأن تتوافر بدائل واضحة إذا ثبت أنه يزيد المعاناة بدلاً من تخفيفها.
فلا يكفي أن نعلن حماية الاقتصاد الوطني إذا كانت النتيجة المباشرة هي تضييق الخناق على المواطن، ولا يكفي أن نتحدث عن الإنتاج بينما تعطش المساحات الزراعية، ولا أن نطالب الناس بالصبر بينما تغيب الحلول العملية عن الأسواق.
أخيراً..
يا حكومة الأمل، إن الأمل لا تصنعه الخطب، ولا تبعثه البيانات، وإنما تصنعه القرارات التي يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
أوقفوا نزيف الخسائر في الزراعة، وراجعوا الإجراءات الجمركية التي يمكن أن تزيد أعباء المتضررين من الحرب، واحموا رغيف الخبز ووجبة الفول، وافتحوا أبواب التعاونيات ومنافذ السلع الأساسية، واجعلوا المسؤول قريباً من الناس لا بعيداً عن معاناتهم.
إن المواطن الذي صبر على الحرب، وفقد بيته أو متجره أو سيارته، لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد فقط أن يشعر بأن هناك دولة تقف إلى جانبه، وتعمل على تخفيف أوجاعه، وتعيد إليه بعضاً من الأمان الذي سلبته الحرب.
فهل تتحول هذه الأسئلة إلى قرارات؟ وهل نجد من يتكئ معنا على جدار الوطن الجريح، لا ليحصي جراحه فحسب، وإنما ليبدأ في تضميدها؟
والله المستعان.



