(همسة وطنية) دكتور طارق عشيري يكتب… نحن نعيش عصر الكوميديا السياسية!!

بعض المقالات نكتبها لتبقي في ذاكرة قوقل فلعل يحتاجها البعض يوما في إصلاح ازمتنا السياسية التي تعمقنا فيها حتي كاد القلم يشتكي مما نكتبه لكننا نكتب للتاريخ وللاجيال القادمة لكل مراحل سودان مابعد الحرب أحياناً لا يحتاج( الواقع السياسي إلى كاتب ساخر)، لأن بعض( المشاهد السياسية) أصبحت تكتب السخرية بنفسها. تصريحات (تتناقض)، مواقف( تتبدل)، (شعارات) تُرفع في كل مناسبة، ووعود (تتكرر) حتى (فقدت الكلمات كثيراً من معناها)، بينما( المواطن السوداني) ينظر إلى (المشهد) كله ويسأل: متى تنتهي مرحلة الكلام وتبدأ مرحلة العمل؟
نحن لا نقصد بالكوميديا السياسية أن( نستخف بالسياسة أو برجالها)، وإنما (نشير إلى حالة) يصبح فيها العمل السياسي( منفصلاً عن هموم الناس)، وتتحول السياسة من (وسيلة لخدمة الوطن )إلى (وسيلة للصراع) على النفوذ والمواقع.
السودان بعد الحرب (لا يحتمل هذه العقلية)
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً، وفقد المواطن الكثير من الأمن والاستقرار والموارد والسنوات التي كان يمكن أن تُستثمر في بناء المستقبل. ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى (سياسة مختلفة)؛ سياسة تعرف أن الوطن أكبر من الحزب، وأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن المنصب مسؤولية وليس غنيمة.
نحتاج إلى سياسي عندما يتحدث يشعر المواطن أن هناك( مشروعاً)، وعندما يختلف مع الآخرين يختلف بأدب، وعندما يخسر موقعاً لا يخسر وطنه، وعندما يصل إلى السلطة لا ينسى الذين أوصلوه إليها.
السياسة الحديثة ليست في( كثرة المؤتمرات) ولا في (ارتفاع أصوات الخطب)، وإنما في (القدرة على صناعة الحلول). ليست في إلغاء الخصوم، وإنما في إدارة الاختلاف. وليست في (البحث الدائم عن شماعة) نعلق عليها أخطاءنا، وإنما في امتلاك الشجاعة للاعتراف والمراجعة والاعتذار عندما يكون الاعتذار ضرورياً.
لقد (آن الأوان أن نخرج من سياسة ردود الأفعال) إلى (سياسة صناعة المستقبل) نريد أحزاباً تراجع تجربتها، ونخباً تتعلم من دروس الحرب، وقيادات تدرك أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسام، وإنما يحتاج إلى( عقل جمعي يضع مصلحة الوطن في المقدمة)
ولا يمكن أن نبني دولة بعقلية المسرح السياسي؛ كل طرف ينتظر دوره، وكل خطاب يبحث عن التصفيق، وكل خلاف يتحول إلى معركة، بينما تتراجع قضايا الإنتاج والتعليم والصحة والإعمار والخدمة المدنية والاقتصاد.
السودان يحتاج إلى أن تتحول السياسة من مهنة للحديث إلى مشروع للبناء.
نحتاج إلى سياسيين يعرفون متى يتحدثون، ومتى يستمعون، ومتى يتنازلون لمصلحة الوطن. نحتاج إلى لغة سياسية جديدة، لا تُشعل الكراهية، ولا تزرع الشك، ولا تعيد إنتاج أزمات الماضي.
فالمواطن السوداني لم يعد يريد أن يسمع فقط من سيحكم، بل يريد أن يعرف: كيف ستُبنى الدولة؟ كيف سيعود الأمن؟ كيف سيعمل الاقتصاد؟ كيف سيجد الشباب فرصهم؟ وكيف نضمن ألا تتكرر المأساة؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون( مرحلة الجدية الوطنية) مرحلة نضع فيها السودان أولاً، ونضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الصغيرة، وننتقل من صراع المواقع إلى صناعة المؤسسات.
نعم، قد( تضحكنا بعض المشاهد السياسية)، لكن( مستقبل السودان ليس مادة للضحك). خلف كل أزمة أسرة تنتظر، وخلف كل انهيار إنسان فقد شيئاً، وخلف كل تأخير وطن يدفع الثمن.
آن الأوان أن ينتهي عرض( الكوميديا السياسية)، وأن يبدأ عرض آخر عنوانه:( السودان يبني نفسه).
فالوطن لا يحتاج إلى من يجيدون تمثيل الأدوار، بل إلى من يجيدون تحمل المسؤولية.
والتاريخ لا يتذكر كثرة الذين تحدثوا، وإنما يتذكر الذين امتلكوا الشجاعة ليعملوا عندما كان العمل ضرورة.
نحن لا نريد( سياسة تُضحك الناس لحظات)، ثم (تبكيهم سنوات)؛ نريد سياسة تبني دولة، وتحفظ كرامة المواطن، وتصنع للسودان مستقبلاً يليق به وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل



