مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… يوم المعلم!! 

في كل عام، يأتي أسبوع المعلم كضيف خفيف، نعلق فيه اللافتات، ونكتب فيه عبارات الشكر على السبورة، ونقول: “قم للمعلم وفه التبجيلا”، ثم ينفض المولد ويعود المعلم إلى صمته، وعودته إلى فصل بلا طباشير، ومدرسة بلا سور، وراتب لا يكفي ثمن الخبز.

 

والسؤال الذي يجب أن نخجل منه ونواجه أنفسنا به بصدق: ماذا فعلنا نحن كمجتمع مدني وحكومة للمعلم غير الكلام؟

 

لقد كان المعلم في السودان يوماً هو كل شيء. هو الحكومة في القرية، وهو القاضي الذي يصلح بين الناس، وهو الطبيب الذي يضمد جهلنا، وهو الأب الثاني الذي يحفظ أسماءنا واحداً واحداً. كنا نراه في السوق فنخفض صوتنا احتراماً، ونراه في الاستاد فيقف له الجميع، ونراه في لمات الفرح فيقدمونه ليبارك المجلس. كان فاكهة المجتمع بحق.

 

أما اليوم، فقد انقلبت الموازين. أصبح المعلم هو آخر من يُسأل عنه، وأول من يُطلب منه أن يصبر ويضحي. نتحدث عن أسبوع المعلم والاحتفالات، بينما المعلم يركب المواصلات مكدساً، ويعود من المدرسة ليعمل بائعاً في السوق أو سائق ركشة ليطعم أبناءه. أي تكريم هذا؟

 

إن ما فعلته الحكومة للمعلم لا يزال حبيس القرارات الورقية. مرتبات ضعيفة تتأخر بالشهور، بيئة مدرسية تفتقر لأبسط مقومات الحياة، مناهج مثقلة، وفصول مكتظة بأكثر من ثمانين تلميذاً. نريد من المعلم أن يصنع جيلاً من العباقرة وهو لا يجد مقعداً يجلس عليه في غرفة المعلمين. كيف نطلب منه أن يضيء العقول ونحن لم نوفر له حتى الكهرباء في مدرسته؟

 

أما نحن كمجتمع مدني، فتقصيرنا أعظم. كنا في الماضي نبني المدرسة قبل أن نبني بيوتنا. كان الأهالي يجمعون الطوب بعرقهم، وتحمل النساء الماء على رؤوسهن لبناء فصل جديد. واليوم اكتفينا بالمشاهدة. اكتفينا بأن نشتكي في مجموعات الواتساب عن ضعف التعليم، ونلقي اللوم كله على المعلم، ونسينا أن المعلم هو ابننا وجارنا.

 

نقطة الضوء التي يجب أن نبدأ منها اليوم، ليست في احتفال كبير في قاعة فخمة، بل في عودة بسيطة إلى الأصل.

 

على الحكومة أن تفعل ثلاثاً لا رابع لها: أولاً، أن تعيد للمعلم هيبته المادية براتب يحفظ كرامته ويغنيه عن التسول بمهن أخرى. فمن لا يملك قوت يومه لا يمكنه أن يمنح العلم. ثانياً، أن تعيد تأهيل المعلم لا بمعسكرات شكلية، بل بتدريب حقيقي على طرق التدريس الحديثة والتكنولوجيا. وثالثاً، أن تجعل من المدرسة بيئة جاذبة، لا طاردة.

 

وعلى المجتمع المدني، لجان الأحياء، والمغتربين، والتجار، وأمهات التلاميذ، أن يعودوا ليكونوا سنداً للمدرسة. لجنة لكل مدرسة، تتابع صيانتها، توفر وجبة للمعلم، تكرمه ليس في أسبوع واحد، بل في كل يوم. أن نزور المعلم المريض، وأن نساعد المعلم المحتاج، وأن نقف معه في السوق والاستاد والمواصلات، كما كان يقف معنا.

 

إن أمة لا تكرم معلمها، هي أمة تحفر قبرها بيدها. فالطبيب والمهندس والوزير والطيار، كلهم كانوا يوماً تلاميذاً صغاراً عند معلم صبور.

 

فلنجعل من أسبوع المعلم هذا العام، ليس أسبوعاً للكلام، بل نقطة ضوء نبدأ منها إضاءة الطريق. نضيء فصلاً، ونكرم معلماً، ونبني مدرسة، ونعيد للمعلم مكانته كفاكهة حقيقية لمجتمعنا.

 

وإلى أن نفعل ذلك، سيظل احتفالنا مجرد حبر على ورق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى