مقالات الظهيرة

محمد حامد موسي … الشاب البطل الذي أسقط الأقنعة… حين قال «جيش واحد شعب واحد»… فارتبكت المنصة وسقطت شعارات الديمقراطية

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

ليس كلُّ حدثٍ تصنعه المنصات، ولا كلُّ كلمةٍ تولد من رحم الميكروفونات؛ فبعض الكلمات تولد من وجع الوطن، وبعض المواقف تأتي في لحظةٍ قدرية فتقول في دقائق ما عجزت عن قوله البيانات في سنوات.

 

وهكذا كانت حكاية الشاب السوداني الأصل، الأمريكي الجنسية، محمد حامد.

 

شابٌّ دخل ندوةً سياسية في واشنطن، ولم يدخلها حاملاً سلاحاً، ولا طالباً منصباً، ولا باحثاً عن شهرة؛ دخلها حاملاً رأياً، ثم وقف أمام منبرٍ يرفع شعارات الحوار والتحول المدني والسلام، وقال ما يراه حقاً، وانتقد ما يراه خطأً، ثم ختم موقفه بالهتاف الذي اختصر وجدان قطاع واسع من السودانيين:

 

«جيش واحد… شعب واحد».

 

فصفق له بعض الحاضرين، واضطرب آخرون، ثم انقلب المشهد من حوارٍ سياسي إلى تدافعٍ واشتباكٍ بالأيدي أثناء إخراجه من القاعة. وقد تناولت عدة وسائل سودانية الواقعة، وأظهرت المقاطع المتداولة جانباً من ذلك المشهد.

 

وهنا، يا أهل السودان، تبدأ الحكاية الحقيقية.

 

فالقضية لم تعد قضية محمد حامد وحده.

 

القضية أن من يرفع راية الديمقراطية قد وجد نفسه أمام اختبارٍ صغير: هل يستطيع أن يسمع رأياً يخالفه؟

 

إن الديمقراطية التي لا تحتمل إلا التصفيق ليست ديمقراطية، والحرية التي تنتهي عند أول رأيٍ مخالف ليست حرية، والحوار الذي يتحول إلى دفعٍ وضربٍ وإخراجٍ بالقوة حين يعجز عن الرد بالحجة، إنما يكشف عن أزمةٍ أعمق من مجرد مشاجرة عابرة.

 

لقد قال الشاب كلمته، فبدلاً من أن يُجاب بالحجة، جرى التعامل مع كلمته بالقوة.

 

وهنا سقط القناع.

 

سقط قناع «نحن أهل الديمقراطية».

 

وسقط قناع «نحن دعاة الحوار».

 

وسقطت المسافة بين الشعارات والممارسة.

 

ولم يكن محمد حامد، في تلك اللحظة، بحاجة إلى خطبة طويلة؛ فقد تكفلت دقائق قليلة بأن تضع أمام السودانيين صورةً مصغرةً لما ظل كثيرون يتساءلون عنه منذ سنوات: ماذا بقي من الشعارات إذا عجز أصحابها عن احتمال الرأي الآخر؟

 

من «التغيير» إلى تعدد الأسماء

 

منذ عام 2019، تعاقبت على المشهد السياسي السوداني أسماء وتحالفات وتكوينات متعددة، بدأت بقوى الحرية والتغيير، ثم ظهرت «تقدم»، ثم «صمود» وغيرها من التكوينات السياسية.

 

وقد يرى مؤيدو هذه القوى أن ذلك تطور طبيعي في العمل السياسي، بينما يرى منتقدوها أن الأمر لم يكن أكثر من إعادة إنتاجٍ للأسماء والأدوار.

 

والحكم في النهاية للتاريخ.

 

لكن التاريخ لا يحكم بالشعارات؛ يحكم بالمواقف.

 

وهنا يأتي السؤال الذي لا يستطيع أحد أن يمنع السودانيين من طرحه:

 

أين كان الموقف من جرائم الدعم السريع؟

 

أين كانت الصرخة حين أُحرقت القرى؟

 

أين كان الغضب حين شُردت الأسر؟

 

أين كان الصوت حين وقعت جرائم القتل والاغتصاب والنهب؟

 

وأين كان الموقف حين تحولت مدن السودان إلى ساحاتٍ للدمار؟

 

إن الشعب الذي اكتوى بنيران الحرب لا يريد من السياسي أن يرفع له لافتة «لا للحرب» فقط؛ يريد منه أن يقول بوضوح: من الذي أشعل الحرب؟ ومن الذي اعتدى؟ ومن الذي قتل ونهب واغتصب وشرّد؟

 

فالسلام الحقيقي لا يقوم على دفن الحقيقة، وإنما يقوم على مواجهتها.

 

السودان ليس رقعة شطرنج

 

لقد أصبحت الحرب السودانية، منذ سنواتها الأولى، جزءاً من شبكةٍ واسعة من المصالح الإقليمية والدولية.

 

وهنا لا ينبغي للسودانيين أن يكونوا ساذجين أمام العالم.

 

فالدول لا تتحرك دائماً بدافع المبادئ المعلنة؛ وإنما تتحرك أيضاً وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية.

 

والسؤال عن مصادر السلاح والتمويل والدعم الخارجي ليس سؤالاً خيالياً.

 

بل إن تقارير دولية موثقة تحدثت عن شبكات دعم لقوات الدعم السريع، كما وثقت تحقيقات وصور الأقمار الصناعية تحركات ونشاطاً عسكرياً في مطار نيالا، وربطت تقارير حقوقية هذه الشبكات بدور إماراتي، مع استمرار أبوظبي في نفي الاتهامات الموجهة إليها.

 

كما أن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل استخدم صور الأقمار الصناعية على نطاق واسع لتوثيق الانتهاكات في الفاشر، بما في ذلك مؤشرات على عمليات قتل جماعي بعد سقوط المدينة، وأصبحت تلك الأدلة جزءاً من المواد التي استندت إليها تحقيقات أممية بشأن جرائم ارتكبتها مليشيا الدعم السريع.

 

إذن فالقضية ليست وهماً سودانياً.

 

إنها قضية موثقة تحتاج إلى قراءةٍ سياسية وقانونية عميقة.

 

أما القول بوجود مشروع دولي متكامل تقوده إسرائيل والولايات المتحدة لتدمير السودان، فهو تفسير سياسي يطرحه قطاع عريض من السودانيين، وينبغي أن يخضع في تفاصيله للتحقيق اذا كان هنالك امم متحدة ؛ أما المؤكد فهو أن السودان أصبح ساحةً لتداخل مصالح دولية وإقليمية متعددة، وأن الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع الإرهابية أصبح جزءاً من المشهد الذي لا يمكن تجاهله.

 

وهنا يجب أن نكون أكثر وعياً لا أكثر انفعالاً.

 

وماذا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟

 

إن السودانيين من حقهم أن يسألوا:

 

لماذا ظل المجتمع الدولي عاجزاً عن وقف تدفق السلاح؟

 

لماذا لم تنجح العقوبات القائمة في إنهاء الانتهاكات؟

 

لماذا ظلت الجرائم الكبرى تتكرر رغم البيانات الدولية؟

 

ولماذا يشعر السوداني العادي بأن العدالة الدولية تتحرك ببطءٍ شديد حين يتعلق الأمر بمأساته؟

 

، توجد عقوبات أممية جائرة بالفعل، وقد مدد مجلس الأمن في سبتمبر 2026 نظام العقوبات التي يقع عبئها علي الشعب السوداني وفي هذا ظلم وبدلاً ان يصنف المليشيا بالإرهابية اكتفي بإدراج أشخاصاً مرتبطين بعمليات الدعم السريع على قوائم العقوبات. لكن السؤال الذي يبقى قائماً هو: هل كان ذلك كافياً لوقف انتهاكات المليشيا الإرهابية وحماية المدنيين؟

 

وهذا سؤال مشروع لا يملكه أحد.

 

محمد حامد… حين تحولت المداخلة إلى شهادة

 

ربما لم يكن محمد حامد يعرف أنه حين وقف أمام ذلك الميكروفون سيخرج اسمه من القاعة إلى آلاف الهواتف والشاشات.

 

وربما لم يكن يعلم أن جملته القصيرة ستفتح باباً واسعاً للنقاش حول معنى الديمقراطية، ومعنى الوطنية، وموقف القوى السياسية من الجيش والدعم السريع والحرب.

 

لكنه فعل شيئاً بسيطاً:

 

قال رأيه.

 

وهذا وحده يكفي في زمنٍ أصبح فيه بعض الناس يطلبون من الآخر أن يكون حراً ما دام يتحدث مثلهم.

 

لقد قال:

 

«جيش واحد… شعب واحد».

 

فماذا كان الرد؟

 

لم يكن الرد بالحجة وحدها.

 

وهنا أصبح المشهد أكبر من صاحبه.

 

فالاعتداء على صاحب رأي لا يهزم رأيه؛ بل يمنحه حياةً جديدة.

 

واليد التي تمتد إلى صاحب الكلمة قد تُسقط صاحبها، لكنها لا تستطيع إسكات الكلمة.

 

الجيش والشعب… عهدٌ لا ينفصم

 

أما نحن، فنقولها بلا تردد:

 

الجيش السوداني ليس حزباً.

 

وليس ملكاً لجماعة سياسية.

 

وليس ملكاً لفرد.

 

إنه مؤسسة الدولة التي يرى ملايين السودانيين أنها تمثل آخر جدارٍ يحول دون تحول السودان إلى أرضٍ مفتوحة للمليشيات والجيوش العابرة للحدود.

 

وقد تختلف الآراء حول أداء المؤسسة العسكرية، وقد يطالب الناس بالإصلاح والمراجعة والمحاسبة، لكن ذلك كله شيء، وتحويل الجيش الوطني إلى مجرد طرفٍ مساوٍ للمليشيا المتمردة شيء آخر.

 

فالدولة شيء.

 

والمليشيا شيء آخر.

 

والجيش الوطني شيء.

 

والقوة التي تتمرد على الدولة شيء آخر.

 

ومن أراد السلام فعليه أن يفهم هذه الحقيقة قبل أن يتحدث عن السلام.

 

لقد انتهى زمن الأقنعة

 

إن حادثة محمد حامد موسي ليست نهاية التاريخ، ولا يجوز أن نحمل شاباً واحداً مسؤولية إسقاط تنظيمات سياسية كاملة.

 

لكنها كانت، بلا شك، لحظة كاشفة.

 

كشفت مقدار التوتر الذي يمكن أن يصنعه الرأي المخالف.

 

وكشفت أن السودان لم يعد مستعداً لابتلاع الشعارات دون سؤال.

 

وكشفت أن المواطن يريد أن يعرف:

 

من مع الدولة؟

 

من مع الجيش؟

 

من مع المليشيا؟

 

من يمول؟

 

من يدعم؟

 

من يسكت؟

 

ومن يساوي بين الضحية والجاني؟

 

هذه الأسئلة لن تموت.

 

وقد تتغير الأسماء من «قوى الحرية والتغيير» إلى «تقدم» إلى «صمود» إلى «تأسيس»، ولكن السؤال السوداني سيبقى واحداً:

 

ماذا قدمتم للسودان حين كان السودان يحترق؟

 

أما محمد حامد، فله التحية على شجاعته في التعبير عن رأيه، وعلى تذكيره للجميع بأن السياسة، مهما بلغت خصومتها، لا ينبغي أن تنزع من الإنسان حقه في أن يتحدث دون أن يتحول الاختلاف إلى عنف.

 

لقد دخل شاباً إلى القاعة.

 

وخرج منها قضيةً عامة.

 

دخل حاملاً ميكروفوناً.

 

وخرج حاملاً سؤالاً.

 

دخل ليقول رأياً.

 

فإذا بالقاعة كلها تصبح شاهدةً على معنى الحرية.

 

وإذا بالسؤال الذي طرحه يظل معلقاً في الهواء:

 

هل نريد ديمقراطيةً تسمح لنا بأن نتكلم فقط، أم ديمقراطيةً تسمح للآخر أيضاً بأن يخالفنا؟

 

أما السودان…

 

فهو أكبر من الجميع.

 

أكبر من الأحزاب.

 

وأكبر من التحالفات.

 

وأكبر من الأسماء.

 

وأكبر من المشاريع الأجنبية.

 

وأكبر من الحسابات الإقليمية.

 

السودان وطنٌ عظيم، وشعبٌ عريق، وجيشٌ وطني، وأرضٌ لا تزال تحفظ في ترابها دماء الشهداء وذكريات الآباء وأحلام الأطفال.

 

وسيبقى السودان، بإذن الله، عصياً على أن يكون غنيمةً لمن ظنوا أن الحرب يمكن أن تسرقه من أهله.

 

فالحق قد يتأخر، لكنه لا يموت.

 

والوطن قد ينزف، لكنه لا ينحني.

 

والجيش قد يخوض أصعب المعارك، لكنه حين يجد شعبه خلفه، يصبح السودان كله جيشاً واحداً وشعباً واحداً.

 

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى