مقالات الظهيرة

هلا تكرمت سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان بالتمديد للسفير الفريق أول عماد الدين مصطفى عدوي؟

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

===========

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

============

 

الحمد لله الذي جعل للإنجاز لساناً لا تكذبه الأقلام، وللعمل الصادق أثراً لا تمحوه العبارات، وجعل للرجال مواقف تُعرف بها معادنهم، وللأيام صحائف تحفظ ما قدمه المخلصون.

 

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، المتوج بتاج العز الذي لم يتوج به أحد من البشر، المزمل، الذي فاق نوره ضوء الشمس والقمر، الكوكب الساني، صاحب المعراج الأفخر، نبي الرسالة، إمام الأنبياء يوم المحشر، وعلى آله وصحبه أجمعين، الطيبين الطاهرين.

 

أما بعد،

 

فإن بعض المناسبات لا تكون مجرد مناسبات، وبعض التكريم لا يكون مجرد احتفاء بشخص؛ إذ قد يتحول الجمع الغفير إلى شهادة، وقد تصبح الوجوه الحاضرة أبلغ من الكلمات، وقد تقول المحبة في ساعة ما لا تستطيع الأقلام أن تقوله في صفحات.

 

وهكذا كانت ليلة تكريم الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير جمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية والمندوب الدائم للسودان لدى جامعة الدول العربية.

 

لم يكن المشهد عابراً.

 

لقد ضاقت جنبات المكان على سعته بجمع غفير من السودانيين والمصريين، من القيادات الرسمية والشعبية، ورموز المجتمع، وقيادات العمل الأهلي والصوفي والثقافي والإعلامي، واتحادات الصحفيين والفنانين والمسرحيين، ورجال المال والأعمال، والمرأة السودانية، والشباب والطلاب، وقيادات المنظمات والمبادرات.

 

وكان حضور الجانب المصري والسوداني بهذه الكثافة، وما أحاط به من مشاعر التقدير والمودة، لوحةً تستحق أن تُقرأ بعناية.

 

فليس كل تكريم تصنعه الدعوات، ولا كل حضور تصنعه المجاملات.

 

هناك حضور تأتي به المحبة.

 

وهناك حضور تأتي به الشهادة.

 

وهناك حضور يقول لصاحبه، دون حاجة إلى خطب طويلة:

 

لقد رأينا ما فعلت.

 

من صفوف القوات المسلحة إلى رحاب الدبلوماسية

 

الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي ليس رجلاً بدأ خدمته العامة من بوابة الدبلوماسية.

 

فقد جاءت تجربته من رحم القوات المسلحة السودانية، وتدرج في مسيرته العسكرية حتى تولى مواقع رفيعة، من بينها رئاسة هيئة الأركان، ورئاسة أكاديمية نميري العسكرية العليا.

 

وهذه السيرة تمنحه خلفية مختلفة حين انتقل إلى ميدان الدبلوماسية؛ فهو رجل جاء إلى السفارة بخبرة قيادة وإدارة ومسؤولية، ثم وجد نفسه أمام مهمة لا تقل ثقلاً عن مهمته العسكرية السابقة.

 

فالعمل الدبلوماسي في الظروف الطبيعية يحتاج إلى حنكة.

 

أما العمل الدبلوماسي في زمن الحرب، وفي القاهرة تحديداً، فقد أصبح امتحاناً استثنائياً.

 

سفارة في قلب العاصفة

 

حين وصل الفريق أول عدوي إلى موقعه سفيراً للسودان في مصر ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية، لم تكن القاهرة أمام ملف سوداني عادي.

 

كانت أمام بلدٍ يعيش حرباً، وملايين من السودانيين وجدوا في مصر ملاذاً آمناً، وسفارةٍ أصبحت مطالبة بالتعامل مع سيل متزايد من الاحتياجات القنصلية والتعليمية والطبية والإنسانية والاجتماعية.

 

وهنا تظهر قيمة الإدارة.

 

فالمنصب ليس مكتباً ولقباً، والسفير ليس مجرد رجل يستقبل الضيوف ويشارك في المناسبات الرسمية.

 

في أوقات الأزمات يصبح السفير واجهة الدولة، ويصبح أداء السفارة جزءاً من صورة الوطن في عيون مواطنيه.

 

والأرقام هنا لا تكذب

 

حين نتحدث عن إنجازات السفارة في هذه المرحلة، لا ينبغي أن نعتمد على الانطباع وحده.

 

هناك أرقام منشورة تستحق أن تُقرأ.

 

فوفق تقرير أداء يغطي الفترة من 1 مايو 2024 إلى 31 مايو 2025، سجلت السفارة 909,910 معاملات وخدمات في قطاعاتها المختلفة، كما وثق التقرير 822 نشاطاً وفعالية ومقابلة للسفير خلال الفترة نفسها.

 

وتضمن ذلك، بحسب التقرير، 153,953 معاملة في الجوازات والسجل المدني، و587,489 معاملة قنصلية، و99,869 خدمة في المكتب الثقافي، و67,699 معاملة في المكتب الطبي. كما شملت الحصيلة إصدار وتجديد 80,508 جوازات إلكترونية، وإنجاز 53,054 معاملة للرقم الوطني، وإصدار 1,857 وثيقة سفر اضطرارية و3,049 شهادة ميلاد.

 

وهذه ليست أرقاماً للزينة.

 

وراء كل رقم مواطن.

 

وراء كل معاملة أسرة.

 

وراء كل جواز قصة سفر أو عودة أو دراسة أو علاج أو بحث عن أمان.

 

وراء كل وثيقة مواطن يريد أن يشعر بأن دولته لم تنسه.

 

حين تصبح كرامة المواطن جزءاً من العمل الدبلوماسي

 

من أبرز ما شهدته هذه المرحلة العمل على تطوير بيئة تقديم الخدمات.

 

فقد شهد عام 2026 افتتاح مركز «ترابط ـ سودان» للخدمات القنصلية بالدقي، في إطار توسيع منافذ الخدمة وتسهيل وصول المواطنين إليها، كما جرى نقل استلام الجوازات إلى المركز، مع استمرار العمل على تحسين الإجراءات.

 

كما شهدت السفارة خطوات لتقديم الخدمة خارج المركز، من بينها خدمات متنقلة للفئات التي يصعب عليها الوصول إلى مقر السفارة، وفق ما ورد في تقرير الحصاد المنشور.

 

وهنا ينبغي أن نتوقف.

 

لأن قيمة هذه الخطوات لا تكمن في المبنى وحده.

 

إنما في الفكرة التي وراء المبنى:

 

أن الدولة ينبغي أن تذهب إلى المواطن حين يعجز المواطن عن الوصول إليها.

 

وهذه هي الإدارة التي تضع الإنسان في مركز الخدمة.

 

التعليم والطلاب

 

وفي بلدٍ يعيش أبناؤه ظروفاً قاسية، لا يمكن أن يكون ملف التعليم هامشياً.

 

وقد ظهر ذلك في اهتمام السفارة بالطلاب السودانيين وامتحانات الشهادة السودانية، وفي التواصل مع الجانب المصري لتوفير البيئة المناسبة للطلاب. وقد أشاد السفير عدوي علناً بالموقف المصري في رعاية الطلاب وتسهيل أداء الامتحانات.

 

فالطالب السوداني الذي يجلس إلى ورقة الامتحان في بلد الاغتراب ليس رقماً في كشف.

 

إنه مستقبل وطن.

 

الصحة والرعاية الاجتماعية

 

وكذلك امتد العمل إلى الملفات الطبية والاجتماعية.

 

فالمكتب الطبي كان واحداً من القطاعات التي سجلت آلاف المعاملات والخدمات، كما ظهر حضور السفير في متابعة بعض أوضاع المرضى السودانيين، والتنسيق بشأن ملفات الرعاية الاجتماعية والعودة إلى الديار.

 

وهذه الملفات لا تحتمل كثيراً من البروتوكول.

 

المريض يريد من يسمع.

 

والمسن يريد من يعين.

 

والأسرة تريد من يدلها على الطريق.

 

والمواطن يريد أن يشعر أن خلفه دولة، حتى في أصعب الظروف.

 

822 نشاطاً… والدبلوماسية التي خرجت من المكتب

 

وفي الجانب الدبلوماسي، لم يكن الحضور محصوراً في مقر السفارة.

 

فالتقرير المنشور يوثق مئات اللقاءات والأنشطة والفعاليات، من بينها لقاءات ثنائية، ولقاءات مع السفراء والبعثات الدبلوماسية، ولقاءات مع شخصيات ونخب سودانية، ومشاركات متعددة الأطراف في إطار جامعة الدول العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك.

 

وهنا تظهر أهمية الجمع بين خبرة القيادة وخبرة الدبلوماسية.

 

فالسفير يحمل ملف السودان في القاهرة، ويحمل كذلك ملف السودان في جامعة الدول العربية.

 

إنها مهمتان متداخلتان في مرحلة تحتاج إلى الحضور والتواصل وإدارة العلاقات وحشد المساندة للبلاد.

 

ولكن… الإنجاز وحده لا يفسر كل شيء

 

هناك جانب آخر لا تقيسه الجداول ولا تحصيه الأرقام.

 

إنه محبة الناس.

 

وهنا نعود إلى ليلة التكريم.

 

لقد جاء الناس من مواقع وقطاعات مختلفة.

 

لم يكونوا جميعاً موظفين في السفارة، ولا أصحاب مصلحة مباشرة في قرار إداري، ولا جزءاً من مؤسسة واحدة.

 

كان بينهم أهل الطرق الصوفية، والإعلاميون، والصحفيون، والفنانون والمسرحيون، ورجال الثقافة، ورجال الأعمال، والشباب والطلاب، والمرأة السودانية، وقيادات مجتمعية، إلى جانب شخصيات وقيادات مصرية.

 

وهذا التنوع تحديداً هو الذي يجعل المشهد جديراً بالتأمل.

 

فقد يكون الإنجاز معروفاً في الملفات، ولكن محبة الناس لا تُكتب في التقارير.

 

إنها تُرى في الوجوه.

 

وتُسمع في الكلمات.

 

وتظهر حين يأتي الناس من تلقاء أنفسهم ليقولوا:

 

شكراً.

 

يا سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان…

 

من هنا، ومن هذه اللوحة التي شهدناها، ومن هذه الأرقام والوقائع التي يمكن مراجعتها وتقييمها، أتوجه بهذه الكلمات إلى سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية:

 

إن قرار تمديد مهمة السفير أو إنهائها هو قرار الدولة، وله مقتضياته وحساباته ومسؤولياته.

 

لكن من حق أهل السودان أن يضعوا أمام القيادة شهادتهم.

 

ومن حق المواطن أن يقول:

 

لقد رأينا خدمةً قُدمت.

 

ورأينا أبواباً فُتحت.

 

ورأينا أرقاماً تحكي عن مئات الآلاف من المعاملات.

 

ورأينا اهتماماً بالطلاب والمرضى والمواطنين.

 

ورأينا نشاطاً دبلوماسياً واسعاً.

 

ثم رأينا، فوق ذلك كله، قلوباً اجتمعت في ليلة تكريم لتقول كلمتها.

 

ولهذا فإن السؤال الذي أضعه أمام سعادة رئيس مجلس السيادة ليس سؤال مجاملة، وإنما سؤال مصلحة وطنية:

 

هلا تكرمت سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان بالنظر في تمديد فترة السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، متى رأت القيادة أن استمرار هذه التجربة يخدم مصالح السودان، ويتيح للرجل إكمال ما بدأه من عمل؟

 

فبعض المشروعات تحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها.

 

وبعض العلاقات تحتاج إلى الاستمرارية حتى تترسخ.

 

وبعض الملفات لا ينبغي أن تبدأ كل مرة من نقطة الصفر.

 

والرجل الذي أمضى هذه الفترة في بناء الملفات ومعرفة تفاصيلها وشبكاتها وأطرافها، قد تكون استمراريته ـ إذا قدرت القيادة أن ذلك يخدم المصلحة الوطنية ـ امتداداً طبيعياً لما بدأه.

 

ليس دفاعاً عن شخص… وإنما شهادة على تجربة

 

ولنكن واضحين:

 

نحن لا نقول إن الرجل فوق النقد.

 

ولا نقول إن تجربته بلغت الكمال؛ فالكمال لله وحده.

 

ولكننا نقول إن التجربة تستحق أن تُقرأ بميزان الإنصاف.

 

أن توضع أرقامها أمام المسؤول.

 

وأن توضع خدماتها أمام المواطن.

 

وأن توضع علاقاتها أمام الدبلوماسيين.

 

وأن يوضع مشهد تكريمها أمام القيادة.

 

ثم يُتخذ القرار الذي تراه الدولة محققاً لمصلحة السودان.

 

أما نحن، فقد أدينا شهادة رأيناها بأعيننا.

 

والشهادة أمانة.

 

كلمة أخيرة

 

يا سعادة السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي…

 

إن أعظم ما يمكن أن يحمله رجل من منصبٍ عام ليس ملفاً ولا لقباً ولا رتبة.

 

إنه أن يغادر مكاناً وقد ترك فيه أثراً طيباً.

 

وقد كان مشهد الأمس يقول إن لك في قلوب كثير من السودانيين والمصريين مساحة من التقدير لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

 

فإن بقيت في موقعك، فنسأل الله أن يعينك على حمل الأمانة.

 

وإن انتهت مهمتك، فنسأل الله أن يجعل ما قدمت ذخراً لك ولوطنك.

 

وفي الحالتين:

 

شكراً لكل جهدٍ بُذل في خدمة السودان.

 

وشكراً لمصر، قيادةً وشعباً، على ما قدمته للسودانيين في محنتهم.

 

وشكراً لكل من حضر ليلة الوفاء، وقال كلمته بصدق.

 

ويبقى السودان فوق الأشخاص والمناصب جميعاً.

 

ويبقى الوطن هو الغاية.

 

ويبقى التاريخ، وحده، قادراً على أن يضع كل تجربة في موضعها.

 

والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى