مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… الناظر مادبو… وحميدتي هذا فراق بينهما!!

على مفترق الطرق وعقبة التيه، وقف حمار الناظر محمود موسى مادبو، ناظر الرزيقات، «جراب الغشامة».

 

رفع كفه إلى أعلى وجهه، يداري عينيه مما تبقى من ضوء شمس المليشيا التي «بقت عصير»، إيذانًا بالغروب، كما قال الشيخ البرعي، رحمه الله، وهو يذكر بدنو الآجال.

 

وضع يده مظلةً كما يفعل من يستبين ملامح الطريق، ويستكنه دلالات العلامات؛ لأنه، بالحساب وقيافة الأثر، كان ميقات الوصول إلى سدة الحكم، حيث يجلس «حميدتي» على كرسي الرئاسة، يحرك رجليه في جذالة وشبق، وعلى يمينه عبد الرحيم، «عاقر الناقة»، يدور في قلق ورتابة، كأنه عصابة جنّ تلبست بقارف مسيء.

 

وديوان الرئاسة، أو إيوان كسرى الجديد، يغص بآل جنيد، وزمر العطاوة، ينفضون عن سماتهم ما كان من أثر التهميش «المدعى»، ويتهيأون لقطاف شجرة الحكم التي سقوها بالدم، تمامًا كما قال الناظر ذات عزاء في هالك من كبراء المجرمين.

 

وهو الواقف الآن على المفترق، يقلب وجوه الأمر في ريبة تسري في أوصاله: هل يستطيع حميدتي إنفاذ ما وعد؟

 

أما وقد مضت سنة، وسنتان، وثلاث، وتقلص ظل المليشيا تحت قصف الشمس الزاحف، هلك الناس، والكراع، وعفت الديار محلها فمقامها، وساء ما ناءت به ظهورهم من ظاهر الإثم وباطنه. جفت عيون أمهات قرون حَرَضًا، واحترق الحشا كما تحترق الكروزرات الحوامة بنيران الرصد، وشهب الدرونات وشواظها المرسلة، فلا بشارات نصر قادم، ولا شيء من مواعيد «عُرقوب».

 

الناظر المنبت، الذي لم يقطع الأرض ليبلغ مقصده، ولم يبقَ ظهرٌ ليحمل أثقاله إلى بلدٍ ما هو ببالغه بحول الله، نكص على عقبيه، ونقض رأسه واستدار، وهو ينظر إلى شعب السودان من طرف خفي، خشيةً وخيبةً وخسرانًا، وينادي على شر الدواب الصم البكم الذين لا يعقلون، ليعلمهم بأن أوان العودة إلى حضن الوطن قد آن: «فأتكوا السلاح»، وادعموا النظام، وكونوا مواطنين صالحين.

 

هنا قطع الناظر حبال وصله بآل دقلو، «الخط الأحمر» كما وصفهم من قبل، وحشد لهم الغوغاء، واستثار حمية الجاهلية، ودق طبول الحرب والاستنفار لقتال الجلابة، هو وسائر الملأ من عمده وشيوخ خطه.

 

ثم بدا لهم، من بعد ما رأوا طلائع الجيش تقتلع المليشيا اقتلاعًا، وتعركها عرك الرحى، وتجغمها، أو تجمغها كما قال فراج الطيب، طيب الله ثراه، فعلموا ألا ملاذ إلا حضن الوطن.

 

ولكن، هل يقبل الوطن من أمثال هؤلاء عذرًا؟

 

على الجانب الآخر من المعادلة الخاسرة، يقف البعاتي، حميدتي، يقلب كفيه كصاحب الجنة المحترقة، وينافق من كان يحدثهم بالأمس في جيب ما من دارفور، يتوعد السودان بالبندقية، ويقول: «العاوزنو رخيص»، وفعلاً رخيص، رخصة الدم، وهامل هملة الأرواح المزهقة في حرب العشيرة ضد الوطن، إلا من أبى واستقال.

 

منافق؛ لأنه يحشدهم للموت وهو يرى أجداثهم على مستوى مسرح العمليات، ينتاشها الطير، ويطمرها حصب الرياح، بينما يدخر ذريته وأولاده بعيدًا عن حسيس نار الحرب التي أوقدها.

 

منافق إذ يقول لهم: كونوا صادقين في كل شيء، في سلاحكم، ولبسكم، وعرباتكم، ووقودكم؛ لأنه قدوتنا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

 

يااااا راااجل، على طريقة الممثل فضيل، حيّاه الله، هل أنت جاد في ما تقول؟!

 

هؤلاء السفلة، القتلة، الغدرة، السحتة، اللصوص، المسوخ، الملاقيط، أم كعوكات؛ هل هؤلاء يتبعون سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

 

منافق حتى في مظهره؛ فبرغم الكدمول ولبس الميدان، إلا أنه ظاهر النضارة، كأن جلده «سعن دهن»، يلقي إليهم بهفواته، ثم يولي مستكبرًا، فقط لأنه ليس بينهم رجل رشيد؛ الأمر الذي أدركه من قبل النور القبة، والسافنا، وغيرهم، فغادروا قبل الحريق.

 

الآن الناظر محمود موسى مادبو، واقف في المفترق، فقد «كسر القحف» مع الشعب السوداني، وأغضب ولي نعمته البعاتي حميتي.

 

ناظر جراب غشامة بامتياز.

 

قال: «حضن الوطن، يحضنك أبوشوك…».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى