مقالات الظهيرة

(خط الرجعة) شيماء شمس الدين دفع الله تكتب… عُدنا بأفكار جديدة

خرجنا من السودان مُجبرين، وعُدنا مُحمّلين بالأفكار.

 

من كان يتخيل أن النزوح الذي كسر ظهورنا، سيكون هو ذاته الذي يُعلّمنا الوقوف؟

 

لقد نزحت بناتنا إلى الخارج، وهناك وقفن في المطابخ يبعن الكسرة، وفي البازارات يبعن البخور والعطور السودانية، وتعلمن كيف تُدار الصفحات على مواقع التواصل، وكيف يُغلّف المنتج، وكيف يُحسب الربح والخسارة.

 

واليوم عُدن، ولم يعدن فارغات الوفاض.

 

وخاصة في جبل أولياء، أصبح في كل بيت مشروع صغير، وفي كل حي بازار صغير، وصفحة على موقع فيسبوك تبيع ملابس الأطفال، وفتاة تعمل في تركيب العطور، وأخرى تبدع في صناعة المخبوزات، وثالثة فتحت حضانة صغيرة في منزلها.

 

وهذا ليس مجرد عمل لكسب الرزق، بل هو شكل من أشكال المقاومة.

 

الفتاة التي كانت تنتظر الوظيفة، أصبحت اليوم هي من تُوظّف أخواتها. والبازارات التي نراها بين الحين والآخر في المدارس والأندية ليست مجرد طاولات لعرض البضائع، بل هي إعلان استقلال اقتصادي للمرأة السودانية.

 

لقد أخذت منا حرب الكرامة المرتبات ومصادر الدخل، لكنها منحت بناتنا الشجاعة ليبدأن من الصفر، ومنحتهن الإرادة ليصنعن من اللاشيء كل شيء.

 

التقيت بعدد كبير منهن في بازارات جبل أولياء، قالت لي إحداهن: “في القاهرة كنت أبيع في بازار صغير، فقلت في نفسي لماذا لا أنفذ نفس الفكرة هنا في بلدي؟ فالناس هنا أحوج إليّ”.

 

هذا هو “خط الرجعة” الحقيقي.

 

أن نعود ليس لنبكي على ما فقدناه، بل لنبني بما تعلمناه في رحلة النزوح.

 

رسالتي إلى المجتمع: اشتروا منهن، شجعوهن، ادعموهن. فالفتاة التي تبيع من داخل بيتها ليست بحاجة إلى شفقة، بل هي بحاجة إلى زبون يُقدّر جهدها ويحترم تعبها.

 

ورسالتي إلى بنات بلدي: لا تتوقفن. فالبازار الصغير اليوم، غداً سيصبح متجراً كبيراً، والمشروع المنزلي البسيط سيصبح مصنعاً.

 

نحن لم ننزح لنضيع، بل نزحنا لنتعلم ونعود أقوى وأكثر وعياً.

 

نقطة رجوع: المرأة السودانية إذا وقعت، قامت، وأقامت معها بلداً كاملاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى