مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… من “دكان الحلة” إلى “سوبرماركت العولمة”… ماذا خسرنا؟

كان “الدكان” قديماً ليس مجرد أربعة جدران ورفوف. كان نبض الحلة، وذاكرة الأسرة، وصيدلية الفقراء، ومطبخ البيت الثاني، ووكالة الأنباء.

تدخل إليه فتجد رائحة العطور تختلط برائحة العرديب، وصوت الميزان الحديدي، وصوت صاحب الدكان وهو يقول: “سجلها في الدفتر لآخر الشهر”، وصوت الراديو في الركن يقول: “هنا أم درمان”.

دكان زمان: خزنة الاكتفاء ومنبر الأخبار

في ذلك الدكان البسيط كان كل شيء من إنتاج أرضنا.

السكر من مصانعنا، والزيت من بذرة القطن، والبصل من حواشات الجزيرة،والشمالية والخضار من جناين النيل.

وإذا مرض أحد؟ لم نكن نركض إلى الصيدلية.

كان “الكنتين” فيه دواء الأجداد: الحلبة للسعال، والقرض للإسهال، والحرجل للمعدة، والجنزبيل للبرد، والصمغ للكلى.

دواءٌ نبت من أرضنا، لا جمارك عليه، ولا دولار، ولا تاريخ صلاحية منتهي.

وكان للدكان صوت. الراديو.

منه نعرف سعر القطن، ومنسوب النيل، ونتيجة الكورة، وبيان الحكومة، وخبر وفاة فلان وعرس فلان.

الناس واقفة تشتري، لكن الأذن كلها مع المذيع. وصاحب الدكان يعلق: “الكلام ده ما صاح”. فنتعلم السياسة ونحن نشتري بصل.

كان الدكان يجمعنا. نتحاور، نتونس، نحزن مع بعض ونفرح مع بعض.

سوبرماركت اليوم: متحف للغربة وشاشة صامتة

أما اليوم فادخل إلى أي “سوبرماركت” كبير.

الإضاءة ساطعة، والمكيف بارد، والموسيقى أجنبية، والشاشات العملاقة معلقة تعرض إعلانات بسكويت وشامبو. صامتة. بلا صوت، بلا روح.

والبضائع؟ كلها تتحدث بغير لغتنا.

أكياس الإندومي، علب النيوتيلا، المقرمشات الملونة، الوجبات المُقصطرة الجاهزة، العصائر التي لا نعرف ثمرتها.

كلها مستوردة. كلها تُشترى بالدولار. كلها تحمل صوراً لبلادٍ لم نزرها.

نشعر ونحن داخله كأننا خرجنا من السودان. كأننا ضيوف في وطننا.

أين البلح؟ أين الدخن؟ أين الزبادي البلدي؟ اختفت، أو رُميت في ركنٍ مهمل كأنها عيب.

وأين الراديو؟ اختفى. استبدلناه بهاتف كل زول غارق فيه براهو. فصرنا مجموعة أفراد في مكان واحد، لا نسمع بعض، ولا نعرف عن بعض.

فهل هذا رفاهية أم انتحار بطيء؟

نسأل: هل وصلنا إلى مرحلة الرفاهية؟ أم ندعي مواكبة الحضارة على حساب صحتنا ومواردنا وكرامتنا؟

صحياً: أمراض السكري والضغط والسمنة تضاعفت. كانت أجسادنا تبنيها الحلبة والخضرة والكسرة. واليوم تبنيها المواد الحافظة والسكريات.

اقتصادياً: كل علبة نيوتيلا نأكلها هي دولار يخرج من جيب الوطن. تركنا المزارع وتركنا المصانع وصرنا مستهلكين فقط.

ثقافياً واجتماعياً: نسينا طعم أكل أمهاتنا. ونسينا ونسة الدكان. صار الفتى يستحي أن يقول “فطرت عصيدة” ويفتخر أنه “فطر كورن فليكس”. وفقدنا “نشرة أخبار الحلة” التي كان يبثها الراديو.

“نقطة ضوء” اليوم

الحضارة ليست في أن نأكل كما يأكلون، أو أن نصمت كما يصمتون.

الحضارة أن نأكل مما نزرع، وأن يكون لنا صوتٌ مسموع.

اليابان لم تتقدم بالإندومي. والصين لم تنهض بالنيوتيلا.

تقدموا لأنهم قدسوا إنتاجهم المحلي ثم صدروه للعالم.

نحن لا نريد أن نكسر الشاشات ونرجع للوراء. نريد سوبرماركت سوداني.

رفوفه مليئة بمنتجاتنا: زيت سمسم، عسل نحل، مربى منقة، بسكويت دخن.

وصيدليته فيها أعشابنا معبأة بجودة وبحث علمي.

وشاشته تنقل أسعار المحاصيل من سوق المحصول، وراديوه يبث “صباح الخير يا سودان”.

الدكان القديم مات، نعم. ولكن الفكرة لم تمت.

فكرة الاكتفاء، فكرة الاعتزاز، فكرة أن “خيرنا في أرضنا”، وفكرة أن التجارة بدون مجتمع جثة.

لا تجعلوا بطونكم سوقاً لكساد غيرنا.

ولا تجعلوا صحتكم فاتورة ندفعها لشركات لا تعرف النيل.

ولا تجعلوا آذانكم صماء عن أخبار بلدكم.

فلنعد إلى “نقطة ضوء”:

نأكل من أرضنا، نتداوى بأعشابنا، نسمع أخبارنا، ونبني اقتصادنا بأيدينا.

عندها فقط سنقول بصدق: “نحن نواكب الحضارة” لا “الحضارة تواكبنا إلى الهاوية”.

“كلوا من طيبات ما رزقناكم” [البقرة: 172]… ومن أطيب ما رزقنا أرض السودان.

ولنعود كما كنا

سلة غذاء العالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى