مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… أول العَرْضَة …مَسْكَة العَصَايَّة !

أنا أؤمن إيماناً راسخاً بأن الحوار السوداني ـ السوداني، متى ما خلصت النيات وصحّت المقاصد، هو الطريق الأقصر إلى محطة الوطن، وأرفض، في المقابل، أن يتحول الحوار إلى منصة تديرها أصابع خارجية أو أجندات لا علاقة لها بمصالح السودان، فالحوار الذي ينبت من أرض الوطن هو الأصيل، أما ما يُستورد من الخارج فسرعان ما تذروه الرياح الأصيل يمكث في الأرض، والزائف يذهب جفاءً

 

من هنا يمكن قراءة قرار الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بشأن البلاغات في مواجهة من يرغبون في المشاركة في الحوار، وإسقاط التهم الجنائية بصورة مؤقتة، باعتباره خطوة سياسية كبيرة تفتح الباب أمام من يريد العودة إلى الصف الوطني، فالقرار، في جوهره، لا يغلق الأبواب بل يفتحها، ولا يضع المتاريس بل يزيل بعضها من طريق قطار الحوار

ولعل اللجنة التي تتولى تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني قد أصابت حين دفعت بهذا الاتجاه، إذ جاءت الاستجابة من قيادة الدولة بقدر كبير من المرونة، وكأنها تقول لكل من يريد أن يعود: الطريق أمامك، فاختر أنت أين تقف

 

وبذلك نستطيع أن نقول إن قطار تهيئة الحوار بدأ يلمس القضيب الصحيح، ودخل مساره دون كثير من العَرَصات التي عطلت قطارات سياسية سابقة، ودون أن تظل المحطة رهينة للشكوك والمزايدات

 

أما من يمتلك الحصافة والنضج السياسي، فعليه أن يقرأ هذه الخطوة بعين مختلفة ، إنها فرصة للمراجعة، وللتوبة السياسية، وللأوبة إلى حضن الوطن، والعودة بثياب وطنية نظيفة، لا تحمل إلا راية السودان، فالوطن أكبر من الخصومات، وأبقى من الأشخاص، وأعلى من الحسابات الصغيرة.

والذي لا يزال في قلبه شك، فليَقذف شيطان الشك بسبع جمرات، وليُحكم بعدها إغلاق أذنيه عن أصوات الذين لا يريدون لهذا الحوار أن يرى النور. فالفرص السياسية لا تأتي كل يوم، ومن يضيّع لحظة الانفراج قد يكتشف غداً أن القطار غادر المحطة ولم ينتظره

 

هذه ليست دعوة للتنازل عن المواقف، ولا شيكاً مفتوحاً بلا حساب؛ وإنما هي دعوة إلى وضع السودان أولاً، وإلى اختبار النيات بالفعل لا بالقول. فمن أراد الحوار فليدخل بصدق، ومن أراد الوطن فليضع مصلحته تحت قدميه، ومن أراد صناعة المستقبل فليغادر محطة المرارات القديمة

 

إني من منصتي أنظر… حيث أرى… قطار الحوار وقد دخل القضيب، والسؤال الآن ليس: هل تحرك القطار؟ بل: من يملك شجاعة الصعود إليه قبل أن يفوته؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى