(مسارب الضي) د. محمد تبيدي… الدبلوماسي الإنسان قبل الفنان.. حين يصبح الفن إحساساً بالناس!!
في زمنٍ أصبح فيه كثير من الناس يقيسون قيمة الأشياء بحجمها، وبريقها، وعدد الحضور فيها، تأتي بعض المواقف الصغيرة في حجمها، الكبيرة في معناها، لتقول لنا إن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى صالات فخمة ولا إلى منصات ضخمة ولا إلى أضواء الكاميرات.
القصة هذه المرة ليست عن حفلٍ جماهيري، ولا عن عرسٍ أقيم في أفخم صالة، ولا عن فنان اعتلى مسرحاً أمام الآلاف.
إنها حكاية فنانٍ اختار أن يكون إنساناً أولاً.
سودانية، وكما تفعل الأمهات حين يقترب موعد زفاف بناتهن، تحدثت إلى إعلامي مشهور عن أمنية ابنتها العروس كانت أمنيتها بسيطة، لكنها بالنسبة لها ولابنتها تعني الكثير أن يغني لها الفنان محمد عيسى «الدبلوماسي»، في يوم زواجها.
ربما كان يمكن للأمنية أن تبقى مجرد أمنية، وأن يعتذر الفنان لضيق الوقت أو لكثرة ارتباطاته، وربما كان يمكن أن يرسل تحياته للعروس وينتهي الأمر.
لكن «الدبلوماسي» اختار طريقاً آخر.
لبّى النداء.
لم ينتظر مسرحاً، ولم يشترط صالة، ولم يطلب تجهيزات استثنائية. ذهب إلى بيت الأسرة في الطالبية بفيصل، ومعه عازف أورغ وعازف إيقاع، وجاءت القعدة.
نعم… قعدة.
لكنها، بحسب من عاشوا تفاصيلها، كانت أجمل من أعظم حفلات الأعراس، وأمتع من كثير من المناسبات التي تُصرف عليها الأموال الطائلة وتُجهز لها الصالات الفاخرة.
هناك، في بيت الأسرة، كان الفن على طبيعته، بلا حواجز ولا بروتوكولات، والعروس بين أهلها وأحبابها، وأمنيتها تتحول أمام عينيها إلى حقيقة.
وهنا السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:
الفنان الحقيقي ليس فقط صاحب صوت جميل، ولا من يملك القدرة على تحريك الجمهور، ولا من تتسابق إليه المسارح والإعلانات. الفنان الحقيقي هو الذي يشعر بفرحة الناس وحزنهم، ويعرف أن هناك أحياناً أمنية صغيرة في قلب إنسان قد تساوي عنده الدنيا كلها.
محمد عيسى «الدبلوماسي» في هذه الحكاية لم يقدم أغنية فقط قدم درساً في الإنسانية.
ذهب إلى الناس بدلاً من أن ينتظر أن يأتوا إليه.
شارك أسرة بسيطة فرحتها، ومنح عروساً لحظة ستظل في ذاكرتها ربما طوال العمر.
وهذا هو المعنى الحقيقي للفن أن يتحول الصوت إلى فرحة، والموهبة إلى موقف، والشهرة إلى مسؤولية اجتماعية.
في زمن الحرب والضغوط والأوجاع، نحن في حاجة إلى مثل هذه المواقف أكثر من أي وقت مضى. نحتاج إلى أن نتذكر أن السودان لم يفقد روحه، وأن بين أهله من لا يزال يرى الإنسان قبل المال، والفرحة قبل المقابل، والموقف قبل الشهرة.
شكراً يا «دبلوماسي»…
شكراً لأنك أثبت أن الفنان يمكن أن يكون سفيراً للفرح كما هو سفير للفن، وأن الدبلوماسية الحقيقية ليست دائماً في قاعات المؤتمرات؛ أحياناً تكون في بيت متواضع، وبين أهل سودانيين، وفي «قعدة» بسيطة، حين تجعل عروساً تقول: كانت أمنيتي… فتحولت إلى حقيقة.
ذلك المساء ربما لم يكن فيه أكبر مسرح في العالم، لكنه كان يحمل شيئاً أكبر من المسارح كلها:
كان يحمل إحساساً بالناس.
ولله در من قال إن الفن صوت الإنسان.
فإذا غاب الإحساس، صار الصوت مجرد صوت.
أما حين يحضر الإحساس، تصبح الأغنية موقفاً، وتصبح الزيارة ذكرى، وتصبح القعدة أجمل من أجعص عرس في أكبر صالة في العالم.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



