عائد عبدالله يكتب…. نبض الحياة يعود من ودمدني.. وصلاح الباشا طبيب القلوب الذي يعالج بالكلمة قبل الدواء

الطب ليس مهنة، إنه رسالة. والطبيب ليس موظفاً، إنه حارس للنبض، وسادن للروح، ومجبر لكسر الخوف قبل كسر العظم. في زمن كثر فيه الضجيج، يظل الطبيب الصادق منارة هدوء، يمنح المريض أغلى ما يملك: الطمأنينة.
الأطباء هم رسل الإنسانية على الأرض. لا يفرقون بين غني وفقير، ولا يسألون عن اللون أو الجهة. مهنتهم الوحيدة أن يعيدوا للحياة حيويتها، وأن يزرعوا الأمل حيث يخيم اليأس.
من بين فروع الطب، يظل “طب القلب” أشدها هيبة. لأنه لا يتعامل مع عضو فحسب، بل يتعامل مع سر الحياة. القلب مضخة، نعم، ولكنه أيضاً مستودع الخوف والحب والقلق والأمل.
طبيب القلب لا يقرأ تخطيطاً كهربائياً فقط، بل يقرأ وجوهاً مرتجفة، وأيدياً تمسك بصدرها، وأرواحاً تخشى السكتة قبل أن تخشى الألم. إنه يخوض معركة ضد الزمن، ومعركة ضد الخوف، ومعركة ضد الإهمال. ولهذا كان أطباء القلب دائماً هم أرق الناس قلوباً.
كانت مليشيا الدمار قد طالت كل شيء في ودمدني، ولم تسلم من عبثها حتى مراكز الحياة. سقط “مركز ودمدني للقلب” تحت وطأة التخريب، وتوقفت أجهزة القسطرة، وسكتت غرف العناية، وهاجر المرضى بحثاً عن نبض في مدن أخرى.
ولكن للمدن الصابرة قدرة على القيام. ها هو مركز ودمدني للقلب يعود. عاد بأجهزته، وعاد بكوادره، وعاد برسالته. عاد ليقول للجزيرة كلها: “النبض لن ينقطع”. عودة المركز ليست إعادة ترميم جدران، بل إعادة ترميم ثقة. ثقة المريض بأن أرضه فيها من يداوي، وفيها من يقاتل من أجل قلبه حتى آخر رمق.
في هذا المركز العائد، يقف رجل لا يشبه الأطباء في صورهم النمطية. إنه البروفيسور *صلاح الباشا*، استشاري أمراض القلب.
لا تربطني به معرفة سابقة، ولا تربطني به مصلحة. عرفته وأنا أرافق أحد الزملاء قادماً من القضارف، يشكو وجعاً في صدره، ووجعاً أكبر في روحه من عناء السفر والخوف من التشخيص.
دخلنا العيادة خائفين، فخرجنا مطمئنين.
البروفيسور صلاح لا يبدأ بالسماعة، بل بالابتسامة. يستمع إليك ببشاشة نادرة. وأنت تحكي تاريخك المرضي، يحاورك حوار العارفين، لا حوار المتعالين. يسألك عن نومك، عن قلقك، عن أكلك، كأنه صديق قديم، لا طبيب في عيادة مزدحمة.
طيبة قلبه سبقت يدَه. ومعاملته للمرضى درس في الإنسانية. يشرح لك بالدارجة حتى تفهم، ويرسم لك على الورقة حتى تطمئن، ويقول لك “ما تخاف.. قلبك بخير بإذن الله” قبل أن يرى النتيجة.
هو طبيب يعالج بالكلمة قبل الدواء، وبالرضا قبل الروشتة.
هذا هو الطبيب الذي نحتاجه في زمننا: عالم في مهنته، ودود في معاملته، سوداني في انتمائه.
ولا يكتمل المشهد دون أن نقف عند الباب. عند الشاب *محمد*، مسجل عيادة البروفيسور صلاح الباشا.
محمد ليس مجرد “موظف مسجل”. محمد هو أول دواء. يدخل عليه المريض مهموماً فيستقبله بابتسامة تذيب ثلث القلق. ينظم المواعيد، يطمئن المنتظرين، ويتعامل مع الجميع كأنه يعرفهم من سنين.
شاب إنسان، مبتسم، خفيف الظل، ثقيل الأخلاق. تحية له من القلب، فهو شريك في الشفاء قبل أن يكون شريكاً في الورق.
إذا كان القلب مضخة، فإن الأطباء الصادقين هم كهرباؤه.
وإذا كانت المدن تُبنى بالطوب، فإن ودمدني تُبنى بأطبائها.
عودة مركز القلب انتصار، وصلاح الباشا نعمة، ومحمد بشرى.
فيا أهل الجزيرة.. اطمئنوا. ما دام في أرضكم من يعالج القلوب بهذه الرحمة، فإن قلوبكم بخير، وإن داركم بخير، وإن مستقبلكم بخير.
“



