مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب….. في الجزيرة… لأول مرة أعرف أن النقطة يمكن أن تكون كتابًا !!

هناك نقاط نضعها في نهاية الجمل لنعلن انتهاء الحديث، وهناك نقاط تفتح أبوابًا لكتب كاملة من الاقتصاد والتنمية والاستثمار. وفي ولاية الجزيرة، عرفت لأول مرة أن النقطة التجارية ليست مجرد مكتب صغير يحمل لافتة، وإنما مؤسسة اقتصادية تختصر مسافات طويلة بين المصنع والسوق، وبين المنتج والمستهلك، وبين السودان والعالم

 

الورشة التي احتضنتها قاعة التأمين الصحي بمدني، برعاية والي ولاية الجزيرة، وتشريف وكيل وزارة الصناعة والتجارة الاتحادي، وحضور وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة بالولاية الاستاذ عاطف أبو شوك ، كانت ورشة فتحت ملفات المستقبل الاقتصادي للولاية، وناقشت بعقول المختصين كيف يمكن للجزيرة أن تعود إلى موقعها الطبيعي كقاطرة للإنتاج والصناعة

 

شدني في هذه الورشة الحديث عن النقطة التجارية الفرعية ، ظننتها في البداية مجرد إدارة إدارية، لكنني اكتشفت أنها نافذة يطل منها المنتج السوداني على العالم، ومنصة تجمع تحت سقف واحد المعلومات التجارية، والمواصفات، والفرص الاستثمارية، والأسواق الخارجية، وإجراءات التصدير، وربط المنتجين بشبكات التجارة الدولية

 

هذه النقاط ليست مكاتب صامتة، وإنما غرف عمليات اقتصادية، فهي تساعد المصنع على معرفة أين يصدر، وبأي مواصفات، وما هي الأسواق التي تحتاج إلى منتجاته، وتختصر الوقت والجهد والتكاليف، وتربط المنتج المحلي بشبكة عالمية تضم أكثر من مائة نقطة تجارية، بما يفتح آفاقًا واسعة أمام الصادرات السودانية

 

من حسن الطالع أن نقطة ود مدني، التي توقفت بسبب الحرب، عادت إلى الحياة من جديد، بعد أن أطفأت الحرب أنوارها لبعض الوقت ، واليوم تعود وهي تحمل دعمًا فنيًا وإدارات متخصصة في المواصفات والجودة والتسويق التجاري، لتكون نافذة جديدة لاقتصاد الجزيرة

 

ولم يكن الحديث عن النقطة التجارية منفصلًا عن واقع الصناعة في الولاية، فالصناعة هي القلب الذي يضخ الدم في شرايين الاقتصاد، ولذلك جاء المسح الصناعي الذي أجرته وزارة الصناعة للمصانع المتضررة خطوة في الاتجاه الصحيح، ليس لإحصاء حجم الدمار فحسب، بل لوضع خارطة طريق لإعادة التأهيل والإنتاج،

فالمصانع التي عبثت بها الحرب، وخربتها اعتداءات المليشيات، ليست مباني من الأسمنت والحديد فقط، وإنما هي فرص عمل، ومصادر دخل، وحياة لآلاف الأسر وإعادتها إلى دائرة الإنتاج تعني عودة الاقتصاد إلى التنفس من جديد

 

من بين الأوراق التي نوقشت، برزت قضايا في غاية الأهمية؛ تأمين المصانع، وتوفير الطاقة الشمسية لتجاوز أزمة الكهرباء، وتخفيف الجبايات التي تثقل كاهل المنتجين، وحماية المنتج الوطني من المنافسة غير العادلة، وكلها ليست مطالب قطاع خاص فحسب، بل هي شروط أساسية لأي نهضة صناعية حقيقية

 

لقد كان العصف الذهني الذي شهدته الورشة يؤكد أن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، وإنما بالمعلومات، والتخطيط، وربط حلقات الإنتاج بالتسويق والتصدير

الجزيرة تملك الأرض، وتملك المزارع، وتملك المصانع، وتملك الإنسان المنتج، وما تحتاجه اليوم هو أن تتكامل هذه العناصر داخل رؤية اقتصادية حديثة تجعل من الولاية مركزًا صناعيًا وتصديريًا يستعيد مكانته التي عرفها السودان طويلًا

 

إني من منصتي أنظر … حيث أقول خرجت من الورشة وأنا أردد في نفسي: لم أكن أعلم أن النقطة يمكن أن تكون كتابًا، وأن مكتبًا صغيرًا قد يكون بوابة تعبر منها منتجات ولاية كاملة إلى الأسواق العالمية

إنها ليست نقطة في نهاية السطر…

إنها بداية صفحة جديدة في اقتصاد الجزيرة. شكرا وزارة المالية ولاية الجزيرة للدعوة وأقول …(قدام ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى