مقالات الظهيرة

ياسرمحمدمحمود البشر يكتب في (شوكة حوت)… البكاء حار والميت كلب!!

*تختزن الأمثال الشعبية السودانية من الحكم الإنسانية والتجارب المتراكمة ما يعجز عن وصفه كبار علماء الاجتماع ويأتى المثل السودانى (البكاء حار والميت كلب) ليجسد أعلى درجات المفارقة بين مظاهر التفاعل وحقيقة الحدث فهو يصور مشهداً يرتفع فيه صوت النواح ويرتقى فيه العويل صاخباً ومؤثراً بينما الفاجعة ذاتها لا تعدو كونها نفوق كائن لا يستحق كل هذا الهدر العاطفى إنها الصورة الأبلغ للاستنزاف المهول فى أمر تافه لا قيمة له ولا يقف هذا المثل عند حدود الفولكلور أو الحكايات الشعبية القديمة بل يتجاوزها ليصبح أداة تشخيص دقيقة وآلية قياس حقيقية لسلوكيات بعض الشخصيات التنفيذية والقيادية فى مجتمعاتنا المعاصرة إننا أمام تشريح نفسيى وإدارى لحالة يصاب بها بعض المسئولين حين ينحدرون بمستويات تفكيرهم واهتماماتهم ليتحول الصخب الإعلامى والإدارى من حولهم إلى مجرد فقاعة حول صغائر لا تُسمن ولا تُغني من جوع*.

 

*إن العلة الأساسية لدى هذا الطراز من المسؤولين تكمن في انحراف البوصلة لديهم فبدلاً من التركيز على ملفات الإصلاح الكبرى والقضايا المصيرية التي مُسّت من أجلها معايير التكليف نراهم يستنزفون أوقاتهم وطاقات مؤسساتهم في تتبع الهوامش والتفاصيل اليومية الصغيرة يتصرف المسؤول وكأنه يخوض معركة وجودية بينما الحقيقة أنه يمارس ضجيجاً مفتعلاً على لا شيء تتجلى الخطورة الكبرى حين تتضخم هذه الصغائر في عين المسئول فيراها قضايا قومية ومصاعب جمّة تتطلب الاجتماعات الماراثونية والقرارات الحاسمة هذا العمى التشغيلى يجعله يمتلك مجهراً يرى به النملة بدقة ولكنه يفتقد التليسكوب الذى يرى به الجبل الصامد أمامه إنها حالة صريحة من الضمور التفكيرى الذى يجعل الهامش يبتلع الأصل والجزئى يطغى على الكلى وهذا النمط من المسؤولين يسهم بشكل مباشر في إهدار الموارد المادية والبشرية للمؤسسات التى يديرونها فبينما ينتظر الشارع أو الكادر الوظيفى حلولاً جذرية ومبتكرة للتحديات الشاخصة يجدون أنفسهم معتقلين في تشريعات جانبية ومعارك وهمية مع صغائر الأمور مما يخلق بيئة من الإحباط والجمود ويؤدى إلى تراجع الإنتاجية واستنزاف الطاقات فيما لا ينفع*.

 

*ولعل الأزمة تتضاعف حين يمتلك هذا المسؤول أدوات السلطة والتنفيذ إذ يتحول صخبه إلى قرارات وإجراءات تلزم الجميع بالسير في فلك اهتماماته الضيقة فيصبح العويل التنفيذى أعلى من صوت العقل الإدارى ويُطالب الجميع بالتظاهر بالحزن والاهتمام بنفس القضية التافهة ليتكرر المشهد الشعبى تماماً جمعٌ غفير يبكى بحرقة والسر المكتوم هو أن الميت كلب غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في طبيعة الإنتاجية التي يقدمها هذا النوع من المسؤولين فهو نموذج يُطبق عليه القول القرآنى (لا يأتى بخير أينما يوجهه) رئيسه الأعلى فحيثما يُستحدث له موقع جديد أو يُكلف بملف طارئ يُحضر معه أسلوبه وتفكيره الضيق ليحول التحديات الكبيرة إلى صراعات صغيرة والمشاريع الواعدة إلى تفاصيل إدارية عقيمة إن وجود مثل هؤلاء المسؤولين في مواقع اتخاذ القرار يشكل عبئاً حقيقياً على الدولة والمؤسسات لأن القيادة في جوهرها هى فن ترتيب الأولويات والقدرة على التمييز بين ما هو جوهرى وما هو هامشى والمسؤول الحقيقى هو من يصنع الفارق بالنتائج الاستراتيجية والأثر الملموس لا بالضجيج والمواقف الاستعراضية التي تغطى على خفاء الإنجاز*.

 

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*إن تعافى المؤسسات والارتقاء بالأداء العام يتطلب شجاعة صريحة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتجاوز القيادات التى تعشق الاستغراق فى صغائر الأمور لقد حان الوقت لتوجيه الجهود ونواح العمل نحو القضايا التى تستحق البكاء والاهتمام بحق حتى لا نجد أنفسنا مرة بعد أخرى أمام مأساة حقيقية تُهدَر فيها الموارد ونكتشف فى نهاية المطاف أن البكاء كان حاراً والميت لا يستحق*

 

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*قميص عامر مفصل تفصيل دقيق على مقاس هذا الصنف*.

 

 

yassir. mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى