ياسر أبو ريدة يكتب… الرهد على حافة الكارثة: الإهمال يبتلع المشروع قبل كسر الترعة

لم يكن الكسر الذي ضرب الترعة الرئيسية بمدينة الفاو مجرد حادث هندسي عابر، ولم تكن المياه التي اجتاحت المؤسسات والأحياء السكنية سوى النتيجة الأخيرة لمسار طويل من الإهمال.
فما حدث لم يبدأ عند لحظة انهيار الترعة..
بل بدأ منذ سنوات، عندما تُرك مشروع الرهد الزراعي يعمل بإمكانات لا تتناسب مع حجمه ولا مع أهميته الاقتصادية، حتى أصبح واحدًا من أكبر المشروعات الزراعية في السودان يواجه مواسمه بلا كراكات كافية، ولا دوزرات، ولا خطة حقيقية لصيانة قنوات الري والمصارف.
لهذا لم يكن الكسر مفاجأة..
بل كان متوقعًا
المفارقة المؤلمة أن مزارع الرهد أصبح يعيش بين كارثتين؛ فإذا تأخرت المياه ضاعت المحاصيل عطشًا، وإذا جاءت بغزارة ابتلعت الأرض والزرع معًا. وفي الحالتين تبقى الخسائر على عاتق المزارع، بينما تتكرر الأسباب نفسها عامًا بعد عام دون معالجة جذرية
الكسر الأخير في الترعة الرئيسية بمدينة الفاو كشف حجم الأزمة. فقد غمرت المياه المحلج الصيني، والمركز الصيني، ومحطة بحوث الرهد، والإنتاج الحيواني، والوحدة الهندسية، والمشتل، ومحطة وقود بنتة، ومحلج الأقطان، مما استدعى إخلاء العاملين، وفصل التيار الكهربائي، حفاظًا على الأرواح والممتلكات.
ولم تتوقف آثار الكارثة عند المؤسسات الحكومية، بل امتدت إلى أحياء الأبحاث وسياكو والثورة، حيث تعرض المواطنون لخسائر كبيرة، وسط مخاوف من تداعيات صحية وبيئية قد تتفاقم إذا لم تُعالج آثار الفيضان سريعًا.
والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى
لقد شهد المشروع من قبل غرق الأقسام الجنوبية، وغمرت المياه مساحات واسعة في قرى (6) و(7) و(12) و(16)، وضاعت تريليونات الجنيهات من أموال المزارعين، بينما بقيت المشكلة الأساسية كما هي: قنوات تحتاج إلى تطهير، ومصارف تحتاج إلى صيانة، وآليات غائبة عن الميدان.
ما تقوم به إدارة الري والإدارة الزراعية، بمشاركة اللجنة الأمنية بمحلية الفاو، من جهود لاحتواء الكسر عبر تنفيس الترعة نحو مصرف القرية (19)، هو عمل يستحق التقدير، لكنه يظل استجابة طارئة لاحتواء الأزمة، وليس علاجًا لأسبابها.
إن مشروع الرهد لا يحتاج إلى حلول موسمية، بل إلى برنامج إنقاذ متكامل يعيد تأهيل منظومة الري، ويوفر الآليات الثقيلة، ويجعل صيانة القنوات والمصارف عملًا دائمًا لا ينتظر وقوع الكوارث.
فالرهد ليس مجرد مشروع زراعي…
إنه ركيزة للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، وأي إهمال يصيبه لا يدفع ثمنه المزارعون وحدهم، بل يدفعه السودان كله.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب
كم موسمًا آخر يجب أن يخسره المزارعون، وكم كارثة أخرى يجب أن تقع، حتى يصبح تأهيل مشروع الرهد أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل؟



